EN

ديفيد بترايوس: ماذا تعني موجة الاعتقالات البارزة في العراق؟

SAFAA SUBHI

قد تشير سلسلة من الأحداث التي لم تحظ باهتمام واسع خلال الأيام الأخيرة في العراق إلى بداية أحد أهم التحولات السياسية في البلاد منذ سنوات: عودة سلطة الدولة العراقية.

وبناءً على أوامر صادرة عن المجلس الأعلى للقضاء العراقي، ألقت عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب العراقي القبض على أكثر من 60 شخصية سياسية بارزة ومسؤولين آخرين في بغداد بتهم تتعلق بالفساد. كما أُفيد بنقل عدد من المحتجزين في إقليم كردستان العراق إلى عهدة جهاز مكافحة الإرهاب. وفي الوقت نفسه، رُفعت الحصانة عن أكثر من 10 أعضاء في البرلمان، فيما أفادت مصادر مطلعة لوكالة شفق للأنباء بأن المرحلة الأولى من الحملة قد تشمل نحو 200 عملية اعتقال.

وتؤكد التطورات الأوسع أهمية هذه الحملة؛ فقد بدأت المحاكم بإصدار أحكام إدانة وأوامر بمصادرة أصول في قضايا فساد كبرى. كما أعادت الحكومة التأكيد على الموعد النهائي لتسليم الأسلحة غير المرخصة في 30 سبتمبر، في وقت تحاول فيه بعض الفصائل المسلحة تصنيف “أسلحة المقاومة” باعتبارها خارج نطاق سلطة الدولة.

ولا تكمن أهمية هذه التطورات في هوية الموقوفين فحسب، رغم أن ذلك يستحق التدقيق، إذ سبق للعراق أن شهد حملات لمكافحة الفساد. ما يميز هذه المرة هو احتمال أن تكون مؤسسات الدولة الأساسية ــ السلطة القضائية، ومكتب رئيس الوزراء، وجهاز الأمن الأكثر احترافية في البلاد ــ تعمل معاً لاستعادة سيطرة الدولة على مؤسساتها.

وعلى مدى العقدين الماضيين، تعامل صناع القرار في الولايات المتحدة مع العراق بوصفه مشكلة ينبغي إدارتها. أما اليوم، فقد يكون من المناسب طرح سؤال مختلف: هل أصبح العراق أخيراً ذا أهمية استراتيجية بحد ذاته؟

شهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحولاً جذرياً خلال العامين الماضيين. فقد تعرضت إيران لانتكاسات عسكرية كبيرة، وتراجع نفوذ حزب الله بصورة ملحوظة، وسقط نظام الأسد في سوريا. ومع ذلك، لا تزال إيران قوة إقليمية مؤثرة، تحتفظ بنفوذ سياسي واسع في العراق، وتواصل دعم حلفائها المسلحين في المنطقة، كما تُظهر قدرتها على فرض تكاليف استراتيجية عبر الضغط البحري في مضيق هرمز.

لكن التوازن الإقليمي أصبح أكثر سيولة، وغالباً ما تتيح فترات التحول الاستراتيجي فرصاً للدول القادرة على استثمارها. ويبدو أن العراق يقف اليوم أمام فرصة من هذا النوع.

ولم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان العراق قادراً على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية؛ فقد نجحت قواته الأمنية، بدعم محدود من الولايات المتحدة وقوات التحالف، إلى حد كبير في تحقيق ذلك. كما لم يعد التحدي يتمثل في قدرة العراق على إجراء انتخابات أو تداول السلطة، بعدما أثبت أنه قادر على ذلك.

أما الصراع الحقيقي اليوم، فيدور حول قدرة الدولة على استعادة سلطتها. ولم تعد المنافسة تدور حول السيطرة على الأرض بقدر ما تتعلق بالحوكمة والمؤسسات والشرعية.

وفي جوهرها، تمثل هذه المرحلة منافسة بين المؤسسات الرسمية والشبكات غير الرسمية. فهل تستطيع المحاكم ترسيخ سيادة القانون بوتيرة أسرع من قدرة شبكات الفساد على التكيف؟ وهل تستطيع المؤسسات الأمنية المحترفة توسيع سلطة الدولة من دون إثارة مواجهات تهدد الاستقرار؟ وهل تتمكن الوزارات الكفوءة من تقديم الخدمات بكفاءة أكبر من قدرة شبكات المحسوبية على توزيع المنافع؟ وهل تستطيع الهوية الوطنية أن تتغلب على الولاءات الفئوية؟

هذه ليست أسئلة يمكن الإجابة عنها خلال أسابيع أو أشهر، بل ستحدد مسار العراق لسنوات طويلة.

ومع ذلك، تشير الأحداث الأخيرة إلى أن بعض مؤسسات الدولة العراقية بدأت تختبر حدود سلطتها. ويستحق جهاز مكافحة الإرهاب اهتماماً خاصاً، إذ يتبع مباشرة لرئيس الوزراء، وليس لوزارة الدفاع، وقد رسخ مكانته بوصفه أكثر المؤسسات الأمنية كفاءة واحتراماً في العراق. ويشير تكليفه بتنفيذ عمليات بهذا المستوى من الحساسية السياسية إلى أن الحكومة تريد أن تُفهم هذه الإجراءات باعتبارها تأكيداً لسلطة الدولة، لا مجرد تحقيقات جنائية.

ومع ذلك، تبقى هناك محاذير مهمة. فالحملة الحالية لم تثبت بعد أن أي فصيل سياسي ليس بمنأى عن المساءلة. وإذا لم تمتد جهود مكافحة الفساد إلى مواجهة المصالح السياسية والفصائل المسلحة الأكثر نفوذاً وحماية، فإنها قد تكشف حدود سلطة الدولة بدلاً من أن تؤكد انتصارها.

كما أن الاعتقالات وحدها لن تغيّر وجه العراق. فلا بد أن تُفضي التحقيقات إلى إجراءات قضائية عادلة، وأن تتسم المؤسسات بالاتساق لا بالانتقائية، وأن يصبح الإصلاح نهجاً دائماً لا حملة موسمية.

وفي نهاية المطاف، تمثل هذه المرحلة منافسة بين مؤسسات تتعلم وتتطور، وشبكات أثبتت على مدى سنوات قدرة كبيرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها. ولن يُحسم هذا الصراع بالمواجهات الحادة بقدر ما سيُحسم بقدرة الدولة على تحسين كفاءتها بوتيرة أسرع من قدرة المصالح الراسخة على الالتفاف على الإصلاح.

ومع ذلك، تفتح هذه التطورات الباب أمام تصور مختلف لمستقبل العراق، يغاير الصورة التي هيمنت على النقاش طوال سنوات.

فقد جرى النظر إلى العراق طويلاً بوصفه ساحة تتنافس فيها قوى خارجية؛ الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، ودول الخليج، إلى جانب التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة. لكن مستقبل العراق لن يتحدد في النهاية بإرادة تلك الأطراف، بل بمدى قدرة مؤسساته على أن تصبح تدريجياً أقوى من الشبكات غير الرسمية التي طغت عليها لعقود.

ولا تستطيع الولايات المتحدة إنجاز هذه المهمة نيابة عن العراق، ولا ينبغي لها أن تحاول ذلك.

لكنها تستطيع دعم المؤسسات العراقية التي تُظهر احترافية وكفاءة ومسؤولية والتزاماً بالدولة، والاعتراف بدورها. وقد يثبت أن دعم هذه المؤسسات ونجاحها يمثل أحد أهم إسهامات الولايات المتحدة في تعزيز الاستقرار الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

قبل عشرين عاماً، كان العراق ساحة المعركة الرئيسية في الشرق الأوسط. أما اليوم، فقد يصبح اختباراً حاسماً لقدرة مؤسسات الدولة المستدامة على النهوض بعد عقود من الحروب، والديكتاتورية، والعنف الطائفي، والإرهاب، والفساد، والتدخلات الخارجية.

وعلى مدى عقدين، كان السؤال المركزي هو ما إذا كانت الدولة العراقية قادرة على البقاء. أما اليوم، فقد أصبح السؤال هو ما إذا كانت قادرة على الحكم فعلاً. ولن تكون الإجابة مهمة للعراقيين وحدهم، بل لكل دولة تسعى إلى تحقيق توازن مستقر في منطقة تشهد تحولات عميقة.

ديفيد إتش. بترايوس هو جنرال متقاعد في الجيش الأمريكي، قاد قوات التحالف في العراق بين عامي 2007 و2008، وشغل منصب قائد القيادة المركزية الأمريكية بين عامي 2008 و2010، ثم تولى إدارة وكالة المخابرات المركزية (CIA) بين عامي 2011 و2012.

ماذا تقرأ بعد ذلك

هل يخسر حزب الله شريان بقائه الأخير؟

هل ينتظر نتنياهو إشارة ترامب لضرب إيران؟