نشر الرئيس السوري أحمد الشرع صورة لزجاجات عطر أهداها له الرئيس الأمريكي ترامب، في لقطة بدت أبعد من مجاملة شخصية أو بروتوكول مجاملة ليس بذي معنى.
فالرموز في السياسة تقول أحياناً ما لا تقوله وزارات الخارجية. فقبل سنوات قليلة، كان اسم الشرع مرتبطاً بالفصائل والسلاح والعقوبات. اليوم، يتحدث عن رئيس أمريكي بنبرة ودية، وعن علاقة أقوى بين سوريا والولايات المتحدة.
هنا تبدأ القصة الحقيقية: قصة تحوّل سياسي فرضته مصلحة الدولة على ذاكرة الأيديولوجيا.
تفصيل:
• ترك حكم عائلة الأسد سوريا منهكة إلى حد لا يسمح لأي قائد جديد بترف الخطابات الكبرى. وهو يواجه المدن المدمرة، والاقتصاد مفكك، وملايين السوريين الذين يعيشون في مخيمات اللجوء والنزوح، فيما تحتاج الدولة نفسها إلى إعادة هيكلة من الأساس.
• جعل هذا الخراب سؤال الشرع الأول واضحاً: هل يحكم باسم ذاكرة التنظيم، أم باسم حاجة الدولة؟
• الإجابة التي ظهرت حتى الآن ليست مثالية وليست مكتملة، لكنها براغماتية. ذلك أن الشرع أخذ يتحرك بوصفه رئيس دولة يبحث عن رفع العقوبات، وإعادة التمويل، وترميم المؤسسات، واستعادة الاعتراف الخارجي.
• في يناير 2025، أُعلن الشرع رئيساً انتقالياً بعد سقوط الأسد، مع حل مؤسسات النظام السابق، وطرح أولوية ملء الفراغ، والحفاظ على السلم الأهلي، وبناء مؤسسات الدولة.
• هنا ظهرت لحظة الإدراك الوطنية: فسوريا التي ورثها الشرع لا يمكن أن تُدار بالعصائب الحمراء ولا بملابس القتال والعيش تحت قصف الطائرات الروسية. الدول تُدار بالبنوك، ومحطات الكهرباء، والاعتراف الدولي، وفتح الطرق التجارية، وضبط الحدود، وإعادة اللاجئين.
• في الصورة العامة، اختفت تدريجياً رمزية المقاتل الصلب لصالح بدلة رجل الدولة: من المراسم، وتبادل الزيارات، وحضور المؤتمرات، واللغة الاقتصادية. هذه التفاصيل ليست شكلية بالكامل، بل إطار انتقال من شرعية منبوذة إلى شرعية تبحث عن قبول خارجي وداخلي.
• التحول الحقيقي أن الشرع بدأ يتصرف كما لو أن بقاء حكمه مرتبط بنجاح الدولة، وليس باستمرار “الثورة” أو الخطاب العقائدي.
• عملياً، تحولت الأولوية نحو رفع العقوبات، واستعادة التمويل، وإعادة الخدمات، وبناء شبكة علاقات عربية وغربية وتركية تمنح النظام الجديد شروط البقاء.
• جيوبوليتكياً، يمثل سقوط الأسد وصعود الشرع ضربة عميقة للمشروع الإيراني في المشرق. طوال عقود، كانت دمشق عقدة مركزية في خط النفوذ الإيراني الممتد نحو لبنان والبحر المتوسط. بعد سقوط النظام السابق، لم تعد سوريا القاعدة المريحة نفسها لإيران.
• لا يملك الشرع رفاهية القطيعة مع تركيا. الجغرافيا تفرض ذلك: الحدود، اللاجئون، الأمن، الفصائل، التجارة، والشمال السوري.
• لا يملك أيضاً رفاهية الابتعاد عن الخليج، لأن إعادة الإعمار تحتاج إلى مال، وثقة، وغطاء سياسي، وشبكات إقليمية قادرة على فتح أبواب المؤسسات الدولية.
• هذه هي الواقعية الجديدة: لا يستطيع الشرع بناء سوريا من دون التحرك في كل الاتجاهات. يحتاج إلى تركيا للأمن والحدود، والخليج للمال والغطاء العربي، وواشنطن للعقوبات والشرعية الدولية، وأوروبا للتنمية والمؤسسات.
• أي خطأ كبير مع أحد هذه الأطراف قد يعيد سوريا سريعاً إلى العزلة.
لكن التحول ليس صك براءة
• تواجه سوريا الجديدة انتقالاً صعباً وسط إرث الحرب والعقوبات والانقسامات. المسار ليس مضموناً، والوضع أقرب إلى انتقال خطر يحتاج إلى قرارات قاسية تمنع الانزلاق.
• إدراك المصلحة الوطنية لا يمحو الماضي، ولا يكفي وحده لبناء الدولة. الاختبار الحقيقي سيكون في ضبط الأمن، وحماية الأقليات، وبناء مؤسسات لا تقوم على الولاء الفصائلي، وتقديم اقتصاد يلمسه السوريون في حياتهم اليومية، لا مجرد أرقام تُعلن في المؤتمرات.
ماذا بعد؟
بمعنى أوضح: قطع الشرع نصف الطريق عندما أدرك أن المصلحة الوطنية أقوى من الأيديولوجيا. لكنه لم يكسب الرهان تماماً بعد.
يعرف الشرع، على ما يبدو، أن سوريا لم تعد تحتمل قائداً يعيش في الماضي. فالخراب الذي ورثه من الأسد أقوى من أي أيديولوجيا حملها في شبابه.
السؤال الآن: هل يستطيع الشرع تحويل هذا التحول الشخصي والسياسي إلى دولة سورية قابلة للحياة، أم أن أثقال الحرب والانقسام والعقوبات ستبتلع لحظة البراغماتية قبل أن تتحول إلى مشروع حكم مستقر؟