EN

رواية الصبر أم حرب الظل.. تسريبات أمريكية تحاصر خطاب تركي الفيصل!

Nicole Jeffrey

site-icon
١- قدّم الأمير تركي الفيصل رواية سعودية تقوم على أن الرياض تفادت الانجرار إلى الحرب مع إيران، وامتصت الضربات لحماية منشآتها ومواطنيها.
٢- بعد أيام فقط، كشفت رويترز ثم نيويورك تايمز أن السعودية نفذت ضربات سرية داخل إيران رداً على الهجمات الإيرانية.
٣- توقيت التسريبات الأمريكية يفتح سؤالاً سياسياً حساساً: هل أرادت واشنطن كشف دور خليجي مخفي لتوزيع كلفة الحرب، أم الضغط على الرياض بعد خطابها العلني عن التهدئة.

وضعت تسريبات أمريكية وغربية جديدة الرواية السعودية الرسمية أمام اختبار صعب، بعدما قدّم الأمير تركي الفيصل في مقال بصحيفة “الشرق الأوسط” صورة المملكة كطرف اختار الصبر والتهدئة وتجنّب فخ الحرب مع إيران، بينما تحدثت رويترز ونيويورك تايمز عن ضربات سعودية سرية داخل الأراضي الإيرانية خلال الحرب الإقليمية.

تفصيل

• كتب الأمير تركي الفيصل في ٩ مايو ٢٠٢٦ أن السعودية عملت منذ بداية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في ٢٨ فبراير على منع اندلاعها ثم وقفها دبلوماسياً، مؤكداً أن الرياض تحركت بعيداً عن الاستعراض والضجيج بهدف إخراج المنطقة من الصراع الدموي.  

• جوهر مقال الفيصل كان واضحاً: السعودية لم تنجر إلى الحرب. قال إن القيادة اختارت تحمل أذى الجار لحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، محذراً من أن الرد بالمثل على إيران كان قد يفتح الباب أمام تدمير منشآت النفط ومحطات التحلية السعودية.  

• في النص نفسه، ربط الفيصل الخطر بإسرائيل لا بإيران وحدها، قائلاً إن نجاح الخطة الإسرائيلية في إشعال حرب بين السعودية وإيران كان سيغرق المنطقة في الخراب، ويجعل إسرائيل الفاعل الوحيد في المحيط الإقليمي.  

• لكن بعد ٣ أيام فقط، نقلت رويترز عن مسؤولين إيرانيين وغربيين أن السعودية نفذت ضربات ضد إيران، ثم أبلغت طهران بها عبر قنوات خلفية، قبل أن تبدأ اتصالات دبلوماسية مكثفة انتهت إلى تفاهم غير معلن لخفض التصعيد.  

• هنا يظهر التناقض لا في أصل الدفاع عن النفس، بل في الصورة العامة: مقال الفيصل يقدّم السعودية كدولة تفادت الحرب، بينما التسريبات ترسمها كطرف استخدم القوة داخل إيران ثم عاد إلى الدبلوماسية لضبط السقف.

• بحسب رويترز، لم يكن المسار السعودي شبيهاً بالمسار الإماراتي. الإمارات اتخذت موقفاً أكثر تشدداً، بينما حافظت السعودية على اتصال منتظم مع إيران، بما في ذلك عبر سفير طهران في الرياض. هذه النقطة حساسة لأنها تجعل الضربات السعودية، إن صحت، أقرب إلى رد محدود محسوب وليس إلى دخول فعلي في الحرب.  

• رويترز قالت أيضاً إن الهجمات الإيرانية على السعودية تراجعت من أكثر من ١٠٥ هجمات بالصواريخ والمسيّرات في أسبوع ٢٥-٣١ مارس إلى أكثر قليلاً من ٢٥ هجوماً بين ١-٦ أبريل، بعد الاتصالات والتهديد السعودي بمزيد من الرد.  

• نيويورك تايمز، في تقرير أعادت نشره صحف أمريكية وأوروبية، نقلت عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابق أن السعودية والإمارات نفذتا ضربات منفصلة داخل إيران، وأن هذه هي المرة الأولى المعروفة التي يهاجم فيها البلدان إيران مباشرة. التقرير أكد أن الحكومتين لم تعترفا علناً بتنفيذ الهجمات، وأنهما قدمتا نفسيهما علناً كطرفين دفاعيين أو مراقبين للحرب.  

• التوقيت اللافت: مقال الفيصل صدر في ٩ مايو، رويترز نشرت تسريباتها عن الضربات السعودية في ١٢ مايو، ثم جاء تقرير نيويورك تايمز في ١٤ مايو بتأكيدات أمريكية أوسع. هذا التسلسل يجعل التسريب يبدو كأنه رد غير مباشر على محاولة سعودية لصياغة سردية مختلفة: المملكة لم تُجر إلى الحرب، لكنها أيضاً لم تبق خارجها تماماً.

• الأهم أن التسريبات لا تنسف خطاب الفيصل بالكامل، لكنها تكشف المخفي بين سطوره. فيمكن قراءة الروايتين معاً هكذا: السعودية رفضت الحرب المفتوحة التي أرادتها إسرائيل، لكنها نفذت رداً عسكرياً محدوداً وسرياً عندما تجاوزت إيران حدود الصبر.

• الإمارات تظهر في القصة كخط مقارن فقط. وول ستريت جورنال ذكرت أن أبوظبي نفذت ضربات سرية داخل إيران، بينها استهداف مصفاة في جزيرة لافان،

التناقض الحقيقي ليس بين “السلام” و”الرد العسكري” فقط، بل بين السردية العلنية وإدارة الحرب من الخلف.

علناً، أرادت الرياض القول إنها لم تقع في الفخ الإسرائيلي، ولم تمنح نتنياهو حرباً سعودية-إيرانية تخدم مشروعه الإقليمي. عملياً، تقول التسريبات إن المملكة لم تكتفِ بالصبر، بل استخدمت القوة بشكل محدود، ثم أخفتها سياسياً حتى لا تتحول إلى حرب مفتوحة أو إحراج داخلي وخليجي.

ماذا بعد؟

تكشف التسريبات أن واشنطن ربما تريد تثبيت رواية جديدة للحرب: لم تكن الولايات المتحدة وإسرائيل وحدهما في المواجهة، بل شاركت دول خليجية بالرد عندما تعرضت لضربات إيرانية. بالنسبة للرياض، الخطر الآن ليس عسكرياً فقط، بل سياسي أيضاً: كيف تحافظ على صورة الوسيط العاقل مع إيران، وفي الوقت نفسه لا تظهر كطرف تلقى ضربات من دون رد.

لم يصدر حتى الآن تأكيد سعودي رسمي أو تحقق مستقل يثبت تفاصيل الضربات المزعومة داخل إيران. 

ماذا تقرأ بعد ذلك