يدخل القتال اليوم مرحلة شديدة الحساسية. عسكرياً لا توجد علامة حاسمة على أن إغلاق الملف بات قريباً. سياسياً يحاول ترامب تسويق فكرة أن المهمة اقتربت من نهايتها. واقتصادياً تتحول الحرب بسرعة إلى معركة أسعار طاقة وتكلفة معيشة.
أفادت رويترز بأن خام برنت هبط اليوم إلى 92.68 دولاراً للبرميل بعد أن كان قد قفز في الجلسة السابقة إلى أعلى مستوى له في أكثر من ثلاث سنوات، وذلك بعدما قال ترامب إن الحرب قد تنتهي قريباً وإن واشنطن متقدمة كثيراً على الجدول الذي كانت تتوقعه.
لكن هذه التهدئة اللفظية لم تُلغِ التهديد بشكل مطمئن. فبعد ساعات، صعّد ترامب مجدداً محذراً من أن أي تعطيل إيراني لتدفق النفط عبر هرمز سيقابل برد أميركي أشد بكثير، بينما قالت أعلن الحرس الثوري أن طهران هي من يقرر نهاية الحرب وإنها لن تسمح بخروج نفط المنطقة إذا استمرت الضربات الأميركية والإسرائيلية.
هذا التناقض بين قرب النهاية ورفع سقف التهديد هو قصة اليوم العشر كلها تقريباً. البيت الأبيض يريد تهدئة السوق والرأي العام معاً، لكنه لا يملك بعد مخرجاً واضحاً يضمن المكسب العسكري ويمنع الضرر الاقتصادي والسياسي في الداخل الأميركي.
إن صعود البنزين بدأ يضغط على الرسالة الاقتصادية للجمهوريين قبل انتخابات الخريف، بينما ترد أشارات حول قلق داخل الدائرة المحيطة بترامب من أن تطول الحرب وتتحول إلى عبء سياسي.
تفصيل
الجبهة الأميركية: نهاية قريبة في الخطاب.. وضغط داخلي في الخلفية!
المؤشر الأوضح اليوم أن واشنطن صارت تقرأ الحرب أيضاً من زاوية ذبذبة اسعار البنزين. وأن إدارة ترامب تراجع خيارات لخفض أسعار الطاقة، بينها تخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وإمكان استخدام احتياطات استراتيجية، وخيارات أخرى هدفها منع تحوّل صدمة الحرب إلى أزمة معيشية أوسع. كما أظهر استطلاع رويترز وإبسوس أن 67 بالمئة من الأميركيين يتوقعون استمرار ارتفاع أسعار البنزين، بينما لم تتجاوز نسبة تأييد الضربات الأميركية 29
لم تعد المسألة فقط تدور حول ماذا تحقق عسكرياً داخل إيران، بل كم يوماً تستطيع الإدارة تحمّل أثر الأسعار محلياً. لهذا تبدو عبارة النهاية القريبة جزءاً من إدارة الحرب وجزءاً من إدارة السوق أيضاً.
هذا ما يفسر الفجوة بين خطاب التفاؤل العلني وبين ما ينقل عن نصائح داخلية تدفع نحو مخرج أسرع وخطة تواصل أكثر إقناعاً للجمهور.
السوق هدأت نسبياً.. لكن الخطر لم يتوارى!
لا يعني الهبوط السريع في النفط هذا اليوم أن الأزمة انتهت. فقد اعلنت أرامكو أن استمرار تعطيل الشحن في هرمز ستكون له عواقب كارثية على السوق العالمية، مع الإشارة إلى أن الأزمة أصابت الشحن والتأمين، وأن المخزونات النفطية العالمية عند أدنى مستوياتها في نحو خمس سنوات. كما أشارت التقارير الصحفية إلى أن بعض خامات الشرق الأوسط ما زالت تتداول فوق 100 دولار، ما يعني أن السوق قد تكون تبالغ في التفاؤل الهبوطي إذا طال أمد الأزمة.
بكلمات اكثر وضوحاً: إن الأسواق صدّقت كلام ترامب بما يكفي لتخفف الذعر، لكنها لم تقتنع بما يكفي لتعتبر الخطر قد زال. فما دام مضيق هرمز ورقة مفتوحة، يبقى كل هدوء في الأسعار هشاً وقابلاً للانقلاب في أي ساعة. التأثير لم يعد نظرياً فقط. فالحرب مرتبطة بالفعل بزيادة ملموسة في أسعار الوقود الأميركية وبقلق متزايد من انعكاس ذلك على التضخم والإنفاق اليومي.
إيران: رهان على الاستنزاف ومحاولة تأجيل الحسم السريع!
الإضافة الأهم إلى صورة اليوم تأتي من قراءة لمسار القرار الإيراني. فأن استراتيجية طهران تتمثل برهانها على التحمل وتعطيل الطاقة واستنزاف الخصم سياسياً واقتصادياً. وبحسب هذا التقدير، تراهن إيران على أن قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على مواصلة الحرب ليست بلا سقوف، خصوصاً إذا تحولت أسعار النفط والبنزين إلى ضغط داخلي ثقيل.
هنا يتقاطع التحليل الأمني مع ما تنشره المنصات الفارسية المعارضة. فإيران إنترناشيونال، مثلاً، لا تركز فقط على حجم الضربات، بل على أن القرار الفعلي داخل طهران يميل أكثر إلى الحرس الثوري والتيار الأمني، مع انحسار قدرة الرئاسة على فرض مسار أقل تصعيداً. في هذه القراءة!
في الجانب الإسرائيلي، الخط التحريري الغالب يدور حول توسيع الضغط وليس على إعلان الخروج. هآرتس تحدثت عن موجة واسعة من الضربات على أهداف في طهران، بينما أبرزت تايمز أوف إسرائيل تهديد ترامب برد أشد إذا تعرض تدفق النفط للخطر. جيروزالم بوست ركزت أكثر على الشق الاقتصادي، وعلى الخيارات الأميركية لخفض كلفة الطاقة، ما يوحي بأن إسرائيل تقرأ هي الأخرى الحرب على أنها معركة نيران ومعركة اقتصاد في الوقت نفسه.
في تركيا، التي يبدو أنها تقترب من مسرح الأحداث، لذلك الرواية التركية تأتي مختلفة.
وكالة الأناضول وبيانات رسمية تركية ركزت على أن صاروخاً باليستياً أطلق من إيران باتجاه تركيا جرى اعتراضه، وأن أردوغان أبلغ بزشكيان أن انتهاك المجال الجوي التركي غير مقبول، بالتزامن مع نشر منظومة باتريوت في ملاطية بالتنسيق مع الناتو. الرسالة التركية واضحة: أنقرة لا تريد دخول الحرب، لكنها لا تقبل أيضاً أن تتحول إلى ساحة فرعية لها.
ماذا بعد؟
الأرجح في المدى القريب أن تبقى الأيام المقبلة محكومة بثلاثة اختبارات واضحة.
الأول: هل يترجم ترامب خطابه عن النهاية القريبة إلى خفض فعلي للعمليات، أم يبقى الكلام أداة لتبريد السوق والرأي العام فقط.
الثاني: هل ينجح تهديد هرمز في إبقاء النفط سلاحاً سياسياً من دون الوصول إلى تعطيل أطول يدفع واشنطن إلى تصعيد أكبر.
الثالث: هل تبقى الحرب محصورة نسبياً بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، أم تواصل تمددها إلى المجال التركي وساحات الخليج ولبنان، بما يجعل أي حديث عن نهاية سريعة سابقاً لأوانه.
(تحليل)
يريد ترامب نهاية تبدو انتصاراً عسكرياً من دون فاتورة اقتصادية طويلة، لأن البنزين بدأ يزاحم النصر العسكري على الصفحة الأميركية الداخلية. إيران تريد القول إنها قادرة على تحويل ضعفها العسكري النسبي إلى قوة استنزاف عبر الطاقة والوقت. إسرائيل تريد تثبيت صورة أن الضغط يعمل وأن إيران تخسر المبادرة. تركيا تريد تحصين نفسها من اتساع الجغرافيا. والمنصات الفارسية المعارضة تريد القول إن أزمة طهران ليست في القصف فقط بل في بنية الحكم نفسها.
انتقلت الحرب من سؤال من يقصف أكثر إلى سؤال من يفرض تفسير المرحلة التالية. وحتى الآن، لا أحد حسم هذا السؤال بالكامل.