• ويرى المقال أن هذه اللحظة لا تهدد فقط موقع الفصائل، بل تفتح أيضاً سؤالاً أكبر حول مستقبل الحشد نفسه. فالحشد، في قراءة الكاتب، لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية تشكلت في ظرف أمني استثنائي، بل تحول إلى كيان يمنح نفسه دوراً سياسياً وأيديولوجياً يتجاوز منطق الدولة. وهذه النقطة هي أساس المقارنة التي يقيمها المقال بين الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني.
• يلفت الكاتب إلى أن الشبه بين الطرفين لا يقتصر على امتلاك السلاح أو الحضور في المعارك، بل يمتد إلى طبيعة الدور الذي يمنح كل منهما لنفسه داخل النظام السياسي. فكما توسع الحرس الثوري في إيران من مهمة أمنية إلى موقع يحمي النظام ويؤثر في اتجاهه، يرى الكاتب أن الحشد الشعبي اتجه هو الآخر إلى أداء دور يتجاوز الوظيفة العسكرية، ليصبح جزءاً من آلية حماية التوازن السياسي الذي يحفظ هيمنة القوى الشيعية المتحالفة مع طهران داخل العراق.
• ويستشهد المقال بعدة محطات لدعم هذا الاستنتاج، منها ما جرى خلال احتجاجات تشرين عام 2019، حين انخرطت بعض فصائل الحشد في القمع والملاحقة والاغتيال، ثم ما حدث في أزمة المنطقة الخضراء عام 2022 خلال الصدام مع أنصار مقتدى الصدر. ويعتبر الكاتب أن هذه الوقائع تكشف أن الحشد لم يعد يتحرك فقط ضد التهديدات الخارجية، بل دخل عملياً في إدارة الصراع الداخلي على السلطة والنظام السياسي.
• ومن النقاط المركزية في المقال أن الحشد، على غرار الحرس الثوري، أظهر مقاومة واضحة لأي محاولة من السلطة التنفيذية لفرض رقابة فعلية عليه. ويعرض الكاتب أمثلة على ذلك من خلال شكاوى حكومية سابقة بشأن غياب السيطرة الدقيقة على أعداد المنتسبين والإنفاق، وكذلك من خلال وجود قنوات داخلية للحماية القانونية والمالية تمنح الحشد هامش استقلال واسع عن مؤسسات الدولة الرقابية والقضائية.
• ويتوسع المقال في البعد العقائدي والتنظيمي لهذا التشابه. فالحشد، بحسب الكاتب، لم يكتف بدور عسكري، بل عمل على بناء هوية فكرية وتعبوية خاصة به، من خلال التثقيف العقائدي، وتوسيع حضوره الاجتماعي، وتنظيم الفعاليات، وبناء شبكات نفوذ داخل المجتمع. وهذا المسار يعيد إلى الذهن تجربة الحرس الثوري الذي جمع بين العمل الأمني والتعبئة الاجتماعية والاختراق الثقافي.
• كما يتوقف الدكتور حارث حسن عند البعد الاقتصادي، معتبراً أنه عنصر أساسي لفهم طبيعة التحول الذي شهده الحشد. فكما بنى الحرس الثوري في إيران إمبراطورية اقتصادية واسعة عززت استقلاله ونفوذه، بدأ الحشد الشعبي هو الآخر بتشييد أذرع اقتصادية خاصة به، إلى جانب توسيع حضوره غير المباشر داخل مؤسسات الدولة. وهذا يعني، وفق المقال، أن الحشد لم يعد مجرد مؤسسة تتلقى التمويل من الدولة، بل صار جزءاً من شبكة مصالح تتكاثر من داخلها.
• ويطرح المقال هنا واحدة من أكثر خلاصاته حساسية، وهي أن الدولة العراقية باتت تمول من موازنتها جهازاً مسلحاً أيديولوجياً وسياسياً، قريباً في منطقه ووظيفته من الحرس الثوري، ومرتبطاً في الوقت نفسه بمركز خارجي هو إيران. ومن هنا، يرفض الكاتب أي قراءة تبسيطية تختزل المسألة في مجرد نفوذ إيراني مباشر، ويقترح بدلاً من ذلك فهم الحشد ضمن مشروع فوق وطني أوسع، يتمثل في محور المقاومة بوصفه شبكة عابرة للحدود لها مركزها العقائدي والسياسي في طهران.
• ويؤكد الكاتب أن الأيديولوجيا وحدها لا تكفي لفهم هذه الظاهرة. فالعنصر الحاسم، في نظره، هو الكيفية التي جرى فيها تحويل هذه الأيديولوجيا إلى مؤسسات وأجهزة وممارسات وشبكات مصالح قادرة على إعادة إنتاج نفسها. وهذا ما يجعل الحشد بنية أكثر تعقيداً من مجرد فصيل مسلح، كما يجعل تفكيكه أو إخضاعه للدولة أكثر صعوبة من التعامل مع قوة عسكرية تقليدية.
• وفي هذا السياق، يربط المقال بين صعود الحشد وبين تراجع أو إضعاف مؤسسات أمنية عراقية أخرى لا تشاركه ولاءه السياسي والعقائدي، مثل جهاز مكافحة الإرهاب والمخابرات، فضلاً عن الاختراقات التي طاولت الجيش. وبهذا المعنى، لا يرى الكاتب أن قوة الحشد نابعة فقط من تسليحه أو عدده، بل أيضاً من هشاشة البدائل داخل الدولة نفسها، ومن ضعف المؤسسات التي يفترض أن توازن نفوذه أو تحد من توسعه.
• ويخلص الدكتور حارث حسن إلى أن المسألة لم تعد تخص الفصائل وحدها، ولا حتى الحشد بوصفه مؤسسة قائمة بذاتها، بل تتصل بمستقبل الدولة العراقية نفسها. فمع تقلص المنطقة الرمادية التي سمحت لسنوات بإدارة التوازن بين واشنطن وطهران، تبدو بغداد أمام اختبار أصعب: هل تبقى قادرة على الاحتفاظ بدولة ذات قرار وسيادة، أم أن مسار تمأسس الحشد وتوسعه سيقود إلى ترسيخ نموذج عراقي قريب من الحرس الثوري، لكن بتمويل رسمي من الدولة العراقية نفسها.
• والخلاصة التي يدفع بها المقال أن فهم الحشد الشعبي لا يمر فقط عبر توصيفه كقوة مسلحة أو امتداد سياسي لإيران، بل عبر قراءة أعمق لكيفية تحول الأيديولوجيا إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى نفوذ دائم، والنفوذ إلى جزء من بنية الحكم. ومن هنا تأتي أهمية المقال، لأنه لا يقرأ الحشد كحالة عسكرية عابرة، بل كظاهرة تكشف طبيعة الصراع على الدولة العراقية ومآلاتها في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
– الدكتور حارث حسن باحث وكاتب عراقي متخصص في الشأن العراقي والتحولات السياسية والاجتماعية في الدولة العراقية بعد 2003. يركز في كتاباته على بنية السلطة، والعلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، وأزمات الهوية والتمثيل، إضافة إلى التداخل بين المحلي والإقليمي في تشكيل المشهد العراقي.
– عُرف حارث حسن بكتاباته التحليلية الرصينة في الصحافة العربية ومراكز الأبحاث، حيث يتناول قضايا العراق من زاوية تجمع بين علم الاجتماع السياسي والتحليل المؤسسي، مع اهتمام خاص بكيفية تشكل مراكز القوة داخل الدولة، ودور الفاعلين المسلحين والأحزاب في إعادة رسم المجال السياسي.
– تتميز مقالاته بتركيز واضح على البنية العميقة للأزمة العراقية، وليس فقط على تطوراتها الظاهرة. لذلك غالباً ما يقرأ الأحداث بوصفها تعبيراً عن تحولات أوسع في الدولة والنظام السياسي، لا مجرد وقائع منفصلة أو أزمات عابرة.
– في هذا المقال، يواصل حارث حسن هذا المسار، عبر قراءة الحشد الشعبي لا كقوة عسكرية فقط، بل كظاهرة سياسية وأيديولوجية ومؤسساتية، وربطه بمسار يشبه في جوانب عدة تجربة الحرس الثوري في إيران.