فمسعود بزشكيان ومحمد شياع السوداني ونجیب ميقاتي يمثلون، كل بطريقته، نموذج المسؤول الذي يملك العنوان الرسمي ولا يملك دائماً مفاتيح الإكراه الفعلي. يستطيعون إصدار بيانات، التهدئة، والمناشدة، أو محاولة احتواء الارتدادات، لكنهم لا يملكون قرار فتح الجبهات أو إغلاقها.
٣. أخطر ما تكشفه حروب المنطقة ليس فقط تعدد الجبهات، بل تصدع فكرة الدولة نفسها: رئيس يعتذر عن أفعال لا يسيطر عليها بالكامل، ورئيس حكومة يفاوض باسم دولة تتعايش مع سلاح مواز، ورئيس وزراء يقال إنه القائد العام بينما يعرف الجميع أن بعض الفصائل تتحرك بمنطقها الخاص وحساباتها الإقليمية. هذا يترك الدول الثلاث في موقع دفع الكلفة من دون احتكار القرار.
في الحرب الحالية وما سبقها في المنطقة عن معضلة سياسية واحدة بأسماء مختلفة: الدولة موجودة شكلاً، لكن السيادة موزعة فعلياً بين مؤسسات رسمية وأذرع مسلحة تتجاوزها أو تسبقها. في إيران، أظهرت الأحداث أن مركز الثقل انتقل بوضوح نحو الحرس الثوري في لحظة الخلافة بعد مقتل علي خامنئي، وأن صعود مجتبى خامنئي جرى تحت ضغط الحرس ونفوذه.
وفي هذا النظام، لا يشغل الرئيس موقع القرار الأعلى في الحرب والسلم أصلاً، لأن الدستور يمنح الولي الفقيه الموقع الحاسم بوصفه رأس النظام والقائد الأعلى.
أما في العراق، فالصورة أقل دستورية وأكثر التباساً. رئيس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة على الورق، لكن المشهد الأمني يضم فصائل مسلحة نافذة تشكلت داخل الحشد الشعبي أو حوله، ولها امتدادات سياسية واقتصادية وعلاقات وثيقة بطهران. وأن هذه الجماعات، حتى حين تخفف مشاركتها أو تؤجلها، تبقى جزءاً من شبكة نفوذ إيرانية عابرة للحدود، وأن قرارها لا يُفهم فقط من داخل مؤسسات بغداد.
وفي لبنان، نجيب ميقاتي ليس رئيس الحكومة الحالي، لكنه يبقى اسماً معبراً عن مرحلة لبنانية طويلة كانت فيها رئاسة الحكومة تدير التوازنات والبيانات أكثر مما تدير احتكار السلاح.
تفصيل
في إيران، لا يبدو مسعود بزشكيان صاحب قرار الحرب حتى عندما يتحدث باسم الدولة. فقبل أيام أعلن تعليق الهجمات على الدول المجاورة بعد موافقة مجلس قيادة مؤقت، وقدم اعتذاراً شخصياً للدول المتضررة. وفي اللحظة نفسها تقريباً، كان الحرس الثوري يفرض إيقاعه على لحظة اختيار القائد الأعلى الجديد. أي أن الرئيس هنا هو واجهة تفاوض وتهدئة!
في العراق، مشكلة السوداني ليست في النص الدستوري، بل في الفجوة بين النص والواقع. فالرجل يستطيع إدارة أجهزة الدولة والتفاوض مع واشنطن واحتواء الضغوط، لكنه لا يتحكم بمنطق الفصائل التي ترى نفسها جزءاً من محور إقليمي قبل أن تكون جزءاً من دولة وطنية.
وفي لبنان، تكشف الأزمة الشيء نفسه بصورة أكثر فجاجة. الدولة تعلن السعي إلى حصر السلاح بيدها، والجيش يتحرك جنوباً، والحكومة تصدر قرارات، لكن حزب الله ظل لسنوات يحتفظ بحق الحرب والردع والتوقيت،
ماذا بعد؟
السؤال لم يعد من يملك المنصب، بل من يملك حق الإلزام. فإذا استمرت الحرب الإقليمية على هذا النحو، ستتكرر الصورة نفسها:
• في إيران، رئيس يشرح ويعتذر بينما القرار العسكري الحقيقي في مكان آخر.
• في العراق، حكومة تحاول منع الانفجار بينما الفصائل تحتفظ بحق الجر إلى الحافة.
• في لبنان، سلطة تعلن السيادة بينما تختبر كل يوم حدودها أمام سلاح مواز.
وهذا يعني أن أي حديث عن وقف نار مستدام أو تسوية أمنية في هذه الدول سيبقى ناقصاً ما لم يُجب أولاً عن سؤال أبسط وأخطر: من يحتكر قرار الحرب فعلاً؟