يتحدث ترامب كأنه يريد الإمساك بالخيطين معاً: خيط الحرب وخيط الصفقة التفاوضية. ففي العلن، يلمّح إلى أن المحادثات تسير في اتجاه إيجابي وأن هناك فرصة لإنهاء الحرب. لكن خلف هذا التفاؤل، لا تظهر واشنطن كمن يريد تخفيف الضغط، بل كمن يضيف أوراقاً جديدة من القوة على طاولة التفاوض!
التحرك السياسي الأوضح جاء عبر وسطاء من تركيا ومصر وباكستان يدفعون لعقد اجتماع بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين خلال الساعات المقبلة. باكستان ذهبت أبعد من ذلك حين عرضت استضافة مسار السلام، وهو ما تلقفه ترامب سريعاً وضخّمه سياسياً. المشكلة أن الإشارات الإيجابية لم تتحول بعد إلى تقارب حقيقي: فواشنطن أرسلت إلى طهران خطة من ١٥ بنداً لإنهاء الحرب، لكنها تعيد في جوهرها كثيراً من مطالب ترامب القديمة، ما يعني أن الباب مفتوح للتفاوض، لكن ليس بالضرورة للتنازل.
هنا يظهر التناقض الخليجي. السعودية والإمارات لا تنظران بارتياح إلى اندفاعة ترامب نحو صفقة سريعة. القراءة في العاصمتين أن المشكلة ليست فقط وقف النار، بل في شكل النهاية: هل تخرج إيران من هذه الحرب أضعف فعلاً، أم تنجو منها بترتيب سياسي يسمح لها بإعادة التموضع والتهديد من جديد؟ لذلك يضغط الطرفان باتجاه استمرار الاستنزاف إلى حدّ يبدد الخطر لا يجمّده فقط.
تفصيل
في البحار والمحيطات، الصورة أوضح من الخطاب. البنتاغون يحرّك قوات من النخبة، بغية توسيع الخيارات. التقارير تتحدث عن نشر نحو ٢٠٠٠ إلى ٣٠٠٠ جندي من الفرقة ٨٢ المحمولة جواً، بينهم عناصر من لواء الاستجابة الفورية ووحدة القيادة. وهي وحدة مهيأة للتحرك خلال ١٨ ساعة، وتُستخدم عادة في المهام التي تحتاج سرعة، وسيطرة على مطارات وبنى حيوية، وفتح رأس جسر لعمليات أكبر.
بالتوازي، هناك تدفق بحري وبرمائي لا يمكن قراءته إلا بوصفه تمهيداً لاحتمالات أكثر جدية. ثلاث سفن حربية من مجموعة Tripoli Amphibious Ready Group تقترب من الشرق الأوسط وعلى متنها نحو ٤٥٠٠ عسكري، بينهم نحو ٢٢٠٠ من الوحدة ٣١ لمشاة البحرية. ومن الجهة الأخرى، تحركت الوحدة ١١ لمشاة البحرية مبكراً من سان دييغو، ومن المتوقع أن تصل لاحقاً لتدعيم القوة الموجودة أو الحلول محلها.
خارطة حركة هذه الوحدات توحي بأن واشنطن تبني سلماً عملياتياً متدرجاً. المارينز أولاً لمرونتهم البرمائية وقدرتهم على الاقتحام والإصلاح السريع، ثم المظليون لتعزيز التثبيت والتوسيع. وفي هذا السياق يبرز اسم جزيرة خرج باستمرار. فهي عقدة الضغط الاقتصادية والعسكرية معاً.
بعض التقديرات الأميركية ترى أن السيطرة عليها ممكنة بسرعة، لكن المشكلة ليست في أخذ الجزيرة بل في الاحتفاظ بها تحت نيران المسيّرات والصواريخ الإيرانية. ولهذا تميل بعض القراءات العسكرية إلى أن يبدأ أي تحرك هناك بالمشاة البحرية، لأن مهندسيهم القتاليين أقدر على إعادة تشغيل المطار المتضرر، قبل إدخال مزيد من القوات والعتاد جواً.
هذه التحركات ترفع عدد القوات البرية الإضافية التي دُفعت إلى مسرح الحرب إلى قرابة ٧٠٠٠، ضمن عملية أوسع يخصص لها البنتاغون نحو ٥٠ ألف عسكري من المنطقة وأوروبا والولايات المتحدة.
المعنى هنا واضح: التفاوض يمضي، لكن البنية العسكرية تُبنى على أساس أن الفشل وارد، وأن واشنطن تريد قدرة فعلية على الانتقال من الضغط البحري والجوي إلى عمل ميداني أكثر حساسية إذا لزم الأمر.
ثم نصل إلى النفط، وهو المكان الذي تظهر فيه الحقيقة بلا بلاغة سياسية. نعم، هبط برنت من فوق ١١٠ دولارات إلى نحو ٩٨، وتراجع الخام الأميركي إلى حدود ٨٨، لأن السوق التقطت احتمال نجاح المحادثات. لكن هذه هي السوق الورقية. أما السوق الفعلية فتقول إن الخام الذي يستطيع تفادي هرمز صار يُباع بأسعار أعلى بكثير، إلى درجة أن بعض البراميل الإماراتية الخارجة من مسارات بديلة وصلت إلى نحو ١٦٠ دولاراً.
هذا الفارق يقول إن الاختناق الحقيقي لم ينته بعد. فآسيا تبحث بشراسة عن بدائل للنفط الخليجي لتستمر في إنتاج الديزل ووقود الطائرات، ما دفع أسعار خامات من النرويج وروسيا وكولومبيا وحتى بعض الخامات الأميركية إلى الارتفاع. وخام دبي نفسه لم يعد يعكس نفط دبي فعلياً، لأن نفط الإمارة لا يخرج الآن عبر المضيق كما كان، فصار التسعير يعتمد أكثر على خامات من عُمان وكميات محدودة من أبوظبي تمر عبر الفجيرة.
بمعنى آخر، الأسواق تنتظر شيئاً واحداً: هل سيُفتح هرمز فعلاً أم لا؟ قبل الحرب، كان نحو خُمس النفط العالمي يمر عبر هذا الشريان يومياً. وحتى مع بعض المسارات البديلة والسحب من الاحتياطات، يبقى النقص ضخماً إذا استمر الإغلاق أو بقي المرور خاضعاً لسلطة إيرانية معلنة.
ماذا بعد؟
إذا نجحت الوساطات، فقد يحصل ترامب على صورة التفاوض التي يريدها من دون أن يتخلى عن مكاسب الضغط العسكري. وإذا فشلت، فإن الحشد الجاري يقول إن واشنطن لا تريد فقط ردع إيران من بعيد، بل تريد قدرة جاهزة على فرض معادلة جديدة حول خرج وهرمز. وحتى ذلك الحين، سيبقى النفط يقرأ الوقائع ببرودة أكثر من السياسيين.