لم تعد الحرب الدائرة حول إيران تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو اتساع بنك الأهداف ونوعها. فبعد أكثر من أسبوع على بدء الضربات في 28 فبراير 2026، باتت المعركة تتحرك على ثلاثة خطوط متوازية: مخزونات الدفاع الجوي، تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، والقدرة السياسية لكل طرف على تحمّل كلفة الاستمرار داخلياً. هذا التحول لا يشي بأن القتال يقترب بالضرورة من النهاية، لكنه يعني أن سؤال المطاولة صار أهم من سؤال الضربة التالية.
تفصيل
1) بدأ ضغط المخازن يظهر في واشنطن
بحسب تقارير نشرتها رويترز هذا الأسبوع، دفعت الحرب الإدارة الأميركية إلى بحث تسريع إنتاج الذخائر الاعتراضية بعد أنباء غير أكيدة عن تراجع المخزونات، فيما قالت رويترز إن زيادة إنتاج صواريخ PAC-3 إلى 2000 سنوياً ستأتي متأخرة عن معالجة أي نقص خلال هذا العام. هذا لا يعني نفاداً وشيكاً مؤكداً، لكنه يعني أن الاستنزاف لم يعد نظرياً.
2) إيران تحاول تحويل الكلفة إلى خصومها
في المقابل، تشير تقديرات معهدَي دراسة الحرب والتهديدات الحرجة إلى أن تدمير منصات الإطلاق الإيرانية يخفف خطر نفاد صواريخ الاعتراض لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن تقليص قدرة الإطلاق يخفف الحاجة إلى الاعتراض أصلاً. لكن هذا لا يلغي معضلة أخرى: استخدام طهران أدوات أقل كلفة وأكثر إزعاجاً لفرض استنزاف طويل على خصومها، خصوصاً في البحر والطاقة والشحن.
3) مضيق هرمز، مركز الثقل الاقتصادي:،
إدارة معلومات الطاقة الأميركية قالت إن التدفقات عبر هذا المضيق بلغت في 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، فيما قالت وكالة الطاقة الدولية إن المضيق مرّ عبره في 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً أيضاً، مع عبور نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. لهذا السبب، لا يحتاج السوق إلى إغلاق كامل للمضيق كي يتوتر؛ يكفي تعطل مستمر أو ضغط على الشحن والتأمين حتى ترتفع الكلفة سريعاً.
4) السوق تقول إن الحرب لم تعد محلية
حيث نقلت رويترز هذا الأسبوع أن محللين يتوقعون بقاء الأسعار مرتفعة مع تركيز الأسواق على مخاطر تعطل الإمدادات عبر هرمز، وأن جيه بي مورغان رأت أن استمرار الضغط على المضيق بين ثلاثة وأربعة أسابيع قد يدفع خام برنت إلى ما فوق 100 دولار للبرميل. كما قالت رويترز إن الحرب قد تترك المستهلكين والشركات حول العالم أمام أسابيع أو أشهر من أسعار وقود أعلى حتى لو انتهى القتال سريعاً، بسبب الأضرار واللوجستيات وعلاوات المخاطر.
5) البيت الأبيض يواجه حرباً أخرى في الداخل!
سياسياً، لا تبدو البيئة الأميركية مريحة لحرب طويلة. استطلاع رويترز/إبسوس الذي أُنجز بين 28 فبراير و1 مارس أظهر أن 27% فقط من الأميركيين أيدوا الضربات، مقابل 43% عارضوها، بينما أظهر تقرير آخر لرويترز هذا اليوم أن حتى مؤيدي ترامب يضعون خطاً أحمر عند إرسال قوات برية أو الانزلاق إلى احتلال طويل. بالتوازي، قالت إن ترامب قلل علناً من أهمية ارتفاع أسعار البنزين، لكن السوق تبقى أكثر حساسية من الخطاب السياسي عندما يقترب أثر الحرب من المستهلك الأميركي مباشرة.
6) إيران من الداخل تحت ضغط مزدوج
في الداخل الإيراني، كانت الأزمة الاقتصادية قائمة قبل الحرب، ثم جاءت الضربات لتزيد هشاشتها. عدة تقارير ذكرت في يناير أن الريال هبط إلى مستوى قياسي حيث بلغ 1.5 مليون ريال للدولار، بعد احتجاجات غذّتها الأزمة المعيشية. وفي ديسمبر كانت رويترز قد نقلت اتساع احتجاجات مرتبطة بغلاء المعيشة إلى الجامعات والأسواق. وهذا لا يكفي وحده للقول إن النظام يقف على حافة انهيار داخلي، لكنه يكفي للقول إن الحرب تضرب بلداً دخلها وهو مثقل أصلاً باختلالات اجتماعية ونقدية.
7) لماذا تبدو الهدنة الباردة أكثر واقعية من الحسم الكامل؟
حتى الآن، لا تدعم الوقائع المفتوحة رواية انتصار نظيف وسريع لأي طرف. صندوق النقد الدولي قال في 3 مارس إنه يراقب اضطرابات التجارة والنشاط الاقتصادي وارتفاع الطاقة وتقلب الأسواق، لكنه أشار أيضاً إلى أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على الأثر النهائي على النمو. وفي الوقت نفسه، أعلنت الصين إرسال مبعوث خاص إلى الشرق الأوسط للوساطة، بعد أن دعت منذ 1 مارس إلى وقف فوري لإطلاق النار واستئناف المحادثات.
هذا المسار لا يعني اقتراب تسوية تلقائية، لكنه يعني أن القوى الكبرى بدأت تتصرف على أساس أن كلفة التمدد قد تصبح أعلى من مكاسب التصعيد.
ماذا بعد؟
الأسابيع القليلة المقبلة ستحدد اتجاه الحرب أكثر من الأيام الماضية. إذا بقيت تدفقات هرمز تحت ضغط، واستمرت المخزونات الدفاعية بالتآكل، وارتفعت كلفة الوقود على الناخب الأميركي، فستزداد جاذبية وقف إطلاق نار غير مكتمل بدل توسيع الحرب. أما إذا نجحت واشنطن وتل أبيب في خفض وتيرة الإطلاق الإيراني من دون انفجار كبير في السوق، فقد يطول القتال على شكل استنزاف مسيطر عليه لا سلام فيه ولا حسم.
(تحليل)
المشكلة المركزية هنا بنيوية. فإيران لا تحتاج إلى فرض نصر شامل كي تربك خصومها؛ يكفيها أن تجعل حماية السماء والبحر أغلى من كلفة الإزعاج الذي تصنعه. وفي المقابل، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى احتلال أو توسع بري كي تضغط على طهران؛ يكفيها أن تبقي البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية تحت استنزاف متواصل. لهذا تبدو الحرب، في لحظتها الحالية، أقرب إلى معادلة كلفة متبادلة منها إلى معركة نهاية حاسمة. وإذا استمر هذا المنطق، فقد لا يكون السؤال من ينتصر أولاً، بل من يتعب أولاً.