لا تكمن قوة الميليشيات العراقية في السلاح وحده، بل في موقعها الملتبس بين الدولة وما يقع خارجها. فقد تحولت جماعات تشكلت لمقاومة القوات الأميركية، ثم لمحاربة تنظيم «داعش»، إلى شبكة عسكرية وسياسية تمتلك مقاعد ونفوذاً ومواقع داخل المؤسسات. وهي تعترف نظرياً بقيادة الدولة، بينما تحتفظ أقوى فصائلها بهياكلها وقرارها وعلاقاتها الخارجية.
جعل هذا الوضع العراق ساحة شديدة الهشاشة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. فالقيادة المركزية الأميركية تقول إن الهجمات الأخيرة نُفذت بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، لكن أياً من الفصائل العراقية لم يتبنَّ تلك العمليات. وفي المقابل، تنفي طهران مسؤوليتها المباشرة، بينما تقدم الفصائل تحركاتها باعتبارها دفاعاً عن سيادة العراق ودعماً لإيران في الحرب الأوسع.
تقف الحكومة بين روايتين متعارضتين. فهي تعد استهداف الحشد اعتداءً على مؤسسة أمنية رسمية وانتهاكاً للسيادة، لكنها ترفض أيضاً استخدام أراضيها للهجوم على دول الجوار أو لتصفية الحسابات الإقليمية. وبذلك يصبح السلاح الموازي مشكلة سيادة في الاتجاهين: يمنح الخارج ذريعة لقصف العراق، ويحد في الوقت نفسه من قدرة بغداد على منع الهجمات المنطلقة منه.
التفاصيل
- الجذور: تشكلت ميليشيات شيعية عدة بعد الغزو الأميركي عام 2003، وحصل بعضها على تدريب وتسليح من إيران لمهاجمة القوات الأميركية.
- تأسيس الحشد: تجمعت فصائل كثيرة عام 2014 تحت مظلة «قوات الحشد الشعبي» لمواجهة تمدد تنظيم «داعش» وسيطرته على مساحات واسعة من العراق.
- علاقة مزدوجة: تعاونت بعض هذه الفصائل آنذاك مع التحالف الذي قادته واشنطن، بالتزامن مع تلقي مجموعات منها دعماً إيرانياً.
- الاندماج الناقص: خضع الحشد رسمياً لسلطة القوات الأمنية، لكن عملية دمجه لم تكتمل، ولا تزال فصائل نافذة تعمل باستقلال واسع.
- منظمة بدر: تعد من أقوى القوى المرتبطة بطهران، وشاركت في قتال «داعش» قبل أن يتوسع نفوذ قادتها داخل السياسة والحكومة.
- كتائب حزب الله: ترتبط بفيلق القدس الإيراني، وصنفتها الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية عام 2009، وتعمل جزئياً خارج سيطرة الدولة.
- الهجمات الأخيرة: قالت واشنطن إن الفصائل أطلقت خلال أسبوع أكثر من 30 مسيّرة على أهداف أميركية ومنشآت سعودية، من دون إعلان أي مجموعة مسؤوليتها.
- الموقف السعودي: أكدت الرياض أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها لن تتردد في الرد على أي اعتداء.
- موقف بغداد: أدانت الرئاسة الضربات ورفضت في الوقت نفسه تحويل العراق إلى منصة لاستهداف الجيران.
بين السطور
لا تواجه بغداد مجرد مجموعات مسلحة متمردة يمكن حلها بقرار أمني، بل منظومة اكتسبت شرعية من قتال «داعش»، وموارد من الدولة، ونفوذاً سياسياً، وصلات عسكرية خارجية. لذلك يعني نزع استقلالها إعادة توزيع حقيقية للقوة داخل النظام العراقي، لا مجرد إخضاع وحداتها لأوامر إدارية.
ما الذي نترقبه؟
سيختبر التصعيد قدرة رئيس الوزراء علي الزيدي على تنفيذ أمره بوضع جميع الفصائل تحت السيطرة المباشرة للدولة، بعدما فشلت محاولات سابقة ورفضت قوى مرتبطة بإيران المسعى الجديد. أما استمرار الهجمات والردود الخارجية، فقد يحول العراق مجدداً من وسيط بين واشنطن وطهران إلى إحدى ساحات حربهما المفتوحة.