صار سؤال هرمز هو السؤال الأكثر حسماً في هذه الحرب. من يفرض معادلته هناك، يقترب أكثر من ادعاء النصر.
المضيق لم يعد مجرد وسيلة ضغط إيرانية أو عقدة ملاحة عالمية، بل بات الهدف العملي الأكثر إلحاحاً بعدما تراجعت رهانات البدايات على إسقاط النظام الإيراني سريعاً أو إنهاء قدرته النووية نهائياً. ومع هذا التحول، انزلقت الحرب إلى مستوى أخطر، إذ دخلت محطات الكهرباء، وشبكات المياه، ومنشآت التحلية، وحتى السجون ومراكز الاحتجاز، في نطاق التهديد المباشر.
بحسب تقرير نشرته واشنطن بوست، باتت دوائر أمنية أميركية وإسرائيلية ترى أن إعادة فتح المضيق قد تصبح عنوان المرحلة المقبلة، مع وصول تعزيزات أميركية جديدة إلى المنطقة، بينها نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، إلى جانب تسريع نشر وحدة بحرية مماثلة. وتقرأ هذه الدوائر هذا المسار بوصفه فرصة سياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب كي يعلن كسر قبضة إيران على أهم ممر نفطي في العالم، حتى لو بقيت أهداف الحرب الأوسع بعيدة.
في المقابل، لم يعد الرد الإيراني مقتصراً على التهديد العسكري التقليدي. طهران رفضت إنذار ترامب بفتح المضيق بالكامل، ورفعت السقف إلى التهديد باستهداف منشآت الطاقة والمياه والتحلية في المنطقة إذا ضُربت محطات الكهرباء الإيرانية. وفي الوقت نفسه، تمسكت بصيغة ملتبسة تقول إن المضيق ليس مغلقاً، لكنه ليس مفتوحاً للأعداء.
وفي زاوية موازية، ترسم التقارير الواردة من إيران مشهداً أكثر قتامة داخل السجون. معتقلون سياسيون وأجانب عالقون في منشآت تضررت أو تقع قرب مواقع تعرضت للقصف، وسط فوضى أمنية، وانقطاع في الاتصالات، وتصاعد المخاوف من استخدام السجناء دروعاً بشرية أو تركهم داخل الخطر بلا حماية.
تفصيل
سياسياً، تبدو معركة هرمز اليوم أكثر قابلية للتسويق من الأهداف الكبرى التي رُفعت في بداية الحرب. فبدلاً من الحديث عن تغيير النظام أو إغلاق الملف النووي نهائياً، يجري التركيز الآن على هدف أوضح وأقرب إلى القياس: فتح المضيق، حماية شحنات الطاقة، وخفض قدرة إيران على استخدام الملاحة كورقة ردع في أي مواجهة لاحقة.
لكن هذا الهدف ليس بسيطاً. حتى مع الضربات الأميركية على مواقع صاروخية، وسفن يُشتبه في استخدامها لزرع ألغام، وزوارق سريعة على طول الممر المائي، لم تُكسر حالة الشلل في حركة الناقلات. والخشية لم تعد محصورة بالألغام أو الصواريخ الساحلية، بل اتسعت إلى احتمال استنزاف طويل يفرض على الولايات المتحدة مرافقة السفن ومراقبة التهديدات على مدى مفتوح، تحت ضغط الأسواق والطاقة والسياسة معاً.
في الموازاة، تدخل الحرب مرحلة أكثر حساسية إنسانياً. تهديد ترامب بضرب محطات الكهرباء الإيرانية أثار موجة ذعر داخل إيران، لأن ضرب الشبكة الكهربائية لا يعني فقط إغراق المدن في الظلام، بل يهدد أيضاً المستشفيات، والمياه، والاتصالات، وسلاسل الإمداد اليومية. ومع التهديد الإيراني المقابل باستهداف منشآت الطاقة والتحلية في الخليج، يصبح ملايين المدنيين داخل دائرة هشاشة مباشرة، لا كأثر جانبي فقط، بل كجزء من معادلة الردع نفسها.
وقد بدأت آثار ذلك تظهر بالفعل. تقارير صحفية تحدثت عن انقطاع الكهرباء في أجزاء واسعة من طهران بعد غارات جديدة، وعن ارتفاع منسوب القلق الشعبي من انزلاق الحرب إلى استهداف البنية التحتية الأساسية. وفي الإقليم، برزت مؤشرات ملموسة إلى اتساع الخطر، من إصابة ناتجة عن شظايا اعتراض قرب أبوظبي، إلى تقارير عن انفجار قرب سفينة قبالة الشارقة، وصولاً إلى استمرار صعود النفط وتراجع الأسهم تحت ضغط تهديدات هرمز.
ويضيف تقرير نشرته وول ستريت جورنال طبقة أخرى من القتامة. فالحرب، بحسب التحقيق، لم تحاصر الجيش الإيراني فقط، بل طاولت أيضاً محيط منشآت تحتجز معارضين وسجناء سياسيين وأجانب. بعض المجمعات تضرر مباشرة أو جزئياً، فيما يعيش المعتقلون في سجون مثل إيفين تحت وقع الانفجارات والدخان ونقص الغذاء والاضطراب الأمني. وهذا يعني أن الحرب التي يُفترض أنها تضغط على بنية النظام قد تتحول عملياً إلى خطر إضافي على الفئات الأكثر هشاشة داخله، بما في ذلك معارضوه وسجناء الرهائن.
وفي الوقت نفسه، تستمر الجبهة في الاتساع. إيران واصلت إطلاق صواريخ على إسرائيل، بينها ضربات قرب ديمونا وأراد أثارت أسئلة جديدة حول فعالية الدفاعات الإسرائيلية تحت ضغط الاستنزاف. وإسرائيل بدورها وسّعت عملياتها في إيران ولبنان، مع مؤشرات متزايدة إلى أن الحرب لا تتجه إلى نهاية قريبة، بل إلى إعادة ترتيب أولوياتها: من حسم سريع وشامل، إلى معركة طويلة حول الردع، والطاقة، والممرات، والبنية المدنية.
ماذا بعد؟
الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كانت واشنطن ستكتفي بمزيد من الضغط الجوي والبحري لفتح هرمز، أم ستذهب إلى خطوة أكثر خطورة قرب جزيرة خرج وممرات التصدير. لكن المؤكد حتى الآن أن الحرب خرجت من إطار الضربات العسكرية التقليدية، ودخلت مرحلة صار فيها النفط والكهرباء والمياه والسجون جزءاً من ساحة القتال نفسها، لا مجرد خلفية لها.