لبنان: لم تعد الضاحية الجنوبية في هذه الجولة مجرد ساحة ضغط موضعي، بل تحولت إلى مركز ثقل واضح في الاستراتيجية الإسرائيلية. إسرائيل أصدرت، يوم ٥ مارس، إنذار إخلاء واسعاً لسكان الضاحية الجنوبية، ثم أعقبته بسلسلة غارات كبيرة دفعت أعداداً ضخمة من المدنيين إلى النزوح وأحدثت اختناقاً مرورياً واسعاً في بيروت. التغطية الأميركية والغربية قرأت هذه الخطوة باعتبارها انتقالاً من بنك أهداف محدود إلى سياسة ضغط جماعي على البيئة الحاضنة لحزب الله داخل العاصمة.
في الجنوب، يتحرك المشهد بسرعة أكبر من اللغة الدبلوماسية. رويترز نقلت عن مصدر أمني لبناني كبير أن القوات الإسرائيلية دخلت إلى ما لا يقل عن تسع بلدات في جنوب لبنان، بالتوازي مع أوامر إخلاء واسعة شمال الليطاني. هذا التطور يعني أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالنقاط الخمس التي أبقتها سابقاً بعد ترتيبات الانسحاب، بل تتجه إلى توسيع الحضور البري في العمق الحدودي، سواء على شكل مواقع ثابتة أو انتشار عملياتي متقدم.
الصحافة الإسرائيلية تضيف بعداً تفسيرياً مهماً لهذا التوسع. هآرتس تحدثت عن إعداد عملية لإقامة خط دفاعي يحمي بلدات الشمال، وأشارت إلى أن الجيش كان يحتفظ بخمس نقاط مراقبة داخل جنوب لبنان منذ البداية، فيما تحدثت تغطيات إسرائيلية أخرى عن مواصلة تطهير الخطين الأول والثاني من القرى الحدودية. هذا يجعل فكرة عشر نقاط إسرائيلية جديدة مفهومة سياسياً وعسكرياً بوصفها عنواناً للتوسع، لكن المتاح علناً حتى الآن لا يتيح الجزم بأن كل هذه النقاط أصبحت ثابتة ومعلنة بالعدد نفسه على الأرض.
في الموازاة، يتغير البعد الإيراني في لبنان. تقرير أكسيوس قال إن عشرات من ضباط الحرس الثوري، ومعظمهم من فيلق القدس، غادروا بيروت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية خوفاً من أن يصبحوا أهدافاً مباشرة. أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في الحركة نفسها، بل في الإشارة التي يحملها: إسرائيل لا تضرب حزب الله وحده، بل تحاول أيضاً تفكيك الحلقة الإيرانية المباشرة التي تمنح الحزب عمقاً عملياتياً وخبرة ميدانية واتصالاً يومياً بطهران. ومع ذلك، يبقى هذا المعطى حتى الآن مبنياً على مصادر إسرائيلية ومصدر مطلع ثالث، لا على إعلان إيراني أو لبناني رسمي.
النتيجة الأوضح من مجمل هذه التطورات أن إسرائيل تعمل في لبنان على مسارين متوازيين. الأول هو مسار ناري يهدف إلى إنهاك الضاحية وشلّ مركز الثقل السياسي واللوجستي لحزب الله. والثاني هو مسار جغرافي ميداني يهدف إلى إعادة تشكيل الجنوب كمنطقة عازلة موسعة بحكم الأمر الواقع. وبين المسارين، يظهر المسار الثالث الأقل صخباً لكنه الأعمق أثراً: تقليص هامش الحركة الإيراني المباشر داخل لبنان، أو على الأقل دفعه إلى الاختباء والانسحاب المؤقت. هذا استنتاج تحليلي تدعمه الوقائع المنشورة، وليس إعلاناً رسمياً من أي طرف.
إذا استمر هذا النسق، فإن لبنان قد يكون أمام معادلة جديدة: ضاحية تتلقى ضربات أوسع من السابق، جنوب يعاد رسم خرائط السيطرة فيه خطوة خطوة، وحزب الله يواجه ضغطاً مركباً بين خسارة حرية الحركة جنوباً وتراجع الغطاء الإيراني المباشر في بيروت. السؤال التالي لن يكون فقط عن حجم الضربات، بل عن شكل الجنوب الذي تريد إسرائيل تثبيته بعد انتهاء هذه الجولة: نقاط مؤقتة، أم شريط أمني جديد باسم مختلف.