تبدو السرقات الضخمة في ظاهرها عمليات مغرية بعوائد هائلة، لكن الواقع مختلف كثيراً. فكلما كانت الغنيمة أغلى وأكثر شهرة، صار تصريفها أصعب، وأحياناً مستحيلاً. ولهذا يجد كثير من اللصوص أنفسهم بعد تنفيذ العملية عالقين ببضائع مسروقة لا يجرؤ أحد على شرائها.
هذا ما يفسر أن سرقات الأعمال الفنية، رغم ضجيجها الإعلامي العالمي، لا تتحول بالضرورة إلى أرباح فعلية. فالقطعة الفنية المسروقة سرعان ما تصبح معروفة للشرطة، ولدور المزادات، وللمعارض، وحتى للوسطاء غير الشرعيين الذين يخشون الاقتراب منها.
تفصيل
في أحدث الأمثلة، اقتحم لصوص متحفاً صغيراً في الريف الإيطالي أواخر الشهر الماضي، وسرقوا خلال ثلاث دقائق فقط ثلاث لوحات تتجاوز قيمتها 10 ملايين دولار، من بينها أعمال لرينوار وسيزان وماتيس. وما تزال السلطات تحقق في العملية.
الواقعة جاءت بعد سرقة مماثلة العام الماضي من متحف اللوفر في باريس، حيث اختفت مجوهرات التاج الفرنسي بقيمة 104 ملايين دولار. ورغم توقيف عدد من المشتبه بهم، لم تُستعد الكنوز الوطنية حتى الآن.
ويقول خبراء في جرائم الفن إن معظم هذه العمليات لا ينفذها محترفون خارقون كما في الأفلام، بل مجرمون محليون ينجذبون إلى الأرقام الكبيرة. السرقة نفسها قد تكون سهلة وسريعة على طريقة الاقتحام والخطف، لكن تحويل المسروقات إلى مال هو الجزء الأصعب.
وتزداد هذه الصعوبة اليوم مع تطور أدوات التعرف الرقمي والذكاء الاصطناعي، ما يجعل كشف الأعمال المسروقة أسرع بكثير من السابق. حتى دور المزادات الصغيرة والمعارض المحدودة لم تعد مستعدة للمخاطرة بشراء قطع يمكن تتبعها خلال ثوان.
في المقابل، قد تتحول بعض الأعمال الفنية المسروقة إلى ورقة مساومة قانونية، إذ يلجأ بعض المتهمين إلى تقديم معلومات عن مكانها مقابل تخفيف الأحكام.
أما في سرقات الشحنات التجارية، فالمشكلة مختلفة لكن النتيجة متشابهة. فغالباً لا يعرف اللصوص بدقة ما الذي سرقوه أصلاً، وقد يجدون أنفسهم أمام شحنة يصعب بيعها سريعاً، مثل المواد الغذائية أو السلع القابلة للتلف أو المنتجات التي تحمل رموز تعريف واضحة. ولهذا تصبح بعض العمليات رهانات عشوائية أكثر منها خططاً مضمونة الربح.
الاستثناء الأبرز يبقى في المجوهرات. فرغم وجود بصمات تعريفية لبعض الألماس والأرقام التسلسلية في الساعات الفاخرة، تظل هذه المسروقات أكثر قابلية للتسييل. إذ يمكن تفكيك القطع، وصهر المعادن، وفصل الأحجار الكريمة، ثم نقلها وبيعها بسهولة أكبر من اللوحات والمنحوتات.
وعلى نطاق أوسع، كشفت الأمم المتحدة عن ضبط أكثر من 37 ألف قطعة ثقافية في 2024، بينها أعمال فنية ولقى أثرية. وتقول المنظمة إن هذه المواد تصبح أكثر عرضة للنهب في أوقات الاضطراب السياسي والحروب والفوضى الاجتماعية، وقد تتحول أحياناً إلى عملة في الأسواق السوداء.
ماذا بعد؟
يبقى المشهد مغرياً في السينما، لكنه أقل بريقاً بكثير في الواقع. فالمسروقات الأشهر هي غالباً الأصعب بيعاً، ومع ارتفاع فرص التتبع والانكشاف، يصبح خطر القبض على اللصوص أكبر بكثير من أي عائد محتمل.