يتحرك البيت الأبيض الآن على مسارين في وقت واحد: ضغط ناري مستمر ورسائل تفاوضية مفتوحة. ترامب يقول إنه يرى اتفاقاً مع إيران قد يكون قريباً، وتحدث عن تفاوض مباشر وغير مباشر بالتوازي مع ضرب أهداف داخل إيران. كما أعاد تسويق عبور ناقلات نفط عبر هرمز بوصفه إشارة إيجابية، في وقت بقي فيه الخطاب التصعيدي حاضراً بقوة.
لكن الإشارة الأهم في كلام ترامب ليست التفاؤل وحده، بل توسيع سلة الخيارات. فهو لم يستبعد التحرك ضد جزيرة خرج، فيما كشفت وول ستريت جورنال أن الإدارة تدرس أيضاً عملية عسكرية لانتزاع اليورانيوم المخصب من إيران إذا تعذر انتزاعه بالتفاوض. هذا يعني أن واشنطن لا تتحدث عن هدنة وعن إعادة تشكيل موازين الردع والملف النووي بالقوة إذا لزم الأمر.
في المقابل، تبدو صورة القيادة الإيرانية أكثر ضبابية. التقديرات المتداولة في واشنطن والقدس، كما نقلت تقارير إسرائيلية وأميركية، تميل إلى أن مجتبى خامنئي حي وقادر وظيفياً، لكنه لا يدير الدولة بقبضة صلبة، مع ترجيح أن الحرس الثوري يضبط المجال الأوسع للحكم والقرار الأمني. غياب الظهور العلني الواضح زاد هذا الانطباع بدلاً من تبديده.
تفصيل
• المسار الأميركي لم يعد وقف النار بحد ذاته: الطرح الأميركي يدور حول اتفاق أوسع يربط الحرب بمصير البرنامج النووي والصواريخ وحرية الملاحة في هرمز، وليس الذهاب إلى تهدئة مؤقتة.
• جزيرة خرج تعود إلى الواجهة: تصف أكسيوس عدة جزر إيرانية بأنها مفاصل حاسمة في أي مرحلة أخطر من الحرب، وعلى رأسها خرج التي تمثل العقدة الأثقل في تصدير النفط الإيراني.
• قدرة إيران الصاروخية تضررت بشدة لكنها لم تُمحَ تماماً: تشير مراجعات استخبارية وتقارير صحافية أميركية إلى تدمير أو تعطيل جزء كبير من المصانع وقواعد الإطلاق، لكن بقاء الإطلاقات واستمرار البنية التحتية تحت الأرض يعني أن البرنامج لم ينتهِ كلياً.
• الخطر الاقتصادي: حذرت رويترز اليوم من أن أسوأ سيناريو للسوق لم يُستبعد بعد، خصوصاً إذا تطورت الحرب إلى محاولة للسيطرة على أراضٍ أو مرافق إيرانية، بما يفتح الباب أمام ضربات أوسع على مرافق الطاقة في الخليج.
• الوجه الآخر للحرب ظهر في التحقيقات البصرية: واشنطن بوست عرضت دماراً واسعاً في مواقع إنتاج وإطلاق الصواريخ، بينما خلص تحقيق لنيويورك تايمز إلى أن ضربة أميركية في ٢٨ فبراير أصابت قاعة رياضية ومدرسة قرب مجمع عسكري في لامرد، مع مؤشرات على استخدام صاروخ PrSM الجديد للمرة الأولى في القتال، ما يفتح باباً حساساً حول دقة الاستهداف وكلفة الحرب المدنية.
ماذا بعد؟
الاختبار التالي يظهر في ترتيب الأولويات الأميركية. إذا تقدمت القناة التفاوضية، فسيظهر ذلك في ملفين سريعاً:
•هرمز واليورانيوم.
أما إذا بقي الغموض داخل هرمز والقيادة الإيرانية واصل التآكل من دون شريك تفاوضي واضح، فسترتفع قيمة الخيار الذي يضغط على خرج والمنشآت النووية أكثر من أي حديث عن صفقة قريبة.
(تحليل)
يريد ترامب بيع لحظة اختراق من دون أن يسحب أدوات التصعيد. لذلك يبعث ثلاث رسائل في آن واحد: نحن نضربهم، نحن نفاوضهم، ونحن نحتفظ بخيارات أكبر. وهذا لا يعد تناقض بقدر ما هو محاولة لفرض اتفاق من موقع هيمنة.
في الجهة المقابلة، المشكلة هي من يملك حق التوقيع فعلاً. هنا تصبح هشاشة موقع مجتبى خامنئي عاملاً مركزياً. إذا كان الحرس الثوري هو من يدير الإيقاع الحقيقي، فإن أي صفقة تصبح أكثر صعوبة، وأي تهدئة قد تبقى مؤقتة وقابلة للإنهيار بسرعة.
أما عسكرياً، فالصورة الأكثر دقة ليست أن إيران انهارت وليس أنها صامدة كما كانت قبل الحرب. الأصح أن بنيتها الصاروخية استنزفت بقوة، لكن جوهر الردع لم يُقتلع بعد. وهذا بالضبط ما يجعل الحرب قابلة للاستمرار، وقابلة أيضاً للتحول إلى مساومة قاسية بدلاً من نهاية نظيفة.
المصادر: