أخبار عالمية تقدم إشارات واضحة حول ما يهم في المستقبل

-

آراء

أربع مسائل ستنتظرها دول الخليج من الولايات المتحدة بعد الحرب مع إيران دولٌ تستضيف قوات أميركية تريد أن تكون شريكة، لا مجرد منصات.  

Facebook
LinkedIn
X
Facebook

د. مهند سلوم

24 مارس 2026  

عندما تتوقف الغارات وتبدأ المراجعات الدبلوماسية في الشرق الأوسط، فإن التحول الأهم لن يكون فقط تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، على أهمية ذلك، بل اللحظة التي تنتقل فيها الدول الخليجية المستضيفة للقوات الأميركية من موقع التسليم إلى موقع الاشتراط. هذه الدول لن تهجر تحالفها مع الولايات المتحدة، لكنها ستطالب بإعادة صياغته بما يعكس حقيقة كشفتها ثلاثة أسابيع من الحرب: المخاطر التي تتحملها هذه الدول بسبب الاستضافة لم تعد تقابلها الحماية نفسها في المقابل.

هذا ليس تصدعاً في العلاقة، بل محاولة لإعادة كتابة شروط التحالف بعد حرب كشفت اختلال توازنه.

على مدى عقود، استندت البنية الأمنية في الخليج إلى صفقة بسيطة: تمنح دول مجلس التعاون حقوق التمركز العسكري، وعبور الطائرات، والدعم الدبلوماسي، فيما تؤمن الولايات المتحدة الردع عبر حضورها العسكري في المنطقة. لم تكن قاعدة العديد في قطر، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، ومعسكر عريفجان في الكويت، وقاعدة الظفرة في الإمارات مجرد منشآت عسكرية، بل كانت التعبير المادي عن ضمانة أميركية.

وقد بنت دول الخليج استراتيجياتها الإقليمية على هذا الافتراض. كما حافظت على رهاناتها الاحتياطية، وأبقت قنواتها مفتوحة مع طهران وواشنطن معاً، واستثمر بعضها في الوساطة لتفادي حرب كهذه تحديداً.

لكن ذلك لم يكن كافياً.

فخلال ساعات من الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى في 28 فبراير، أطلقت إيران صواريخ ومسيّرات عبر الخليج. وبالنسبة إلى الدول التي تستضيف قوات أميركية، كانت منطقية الانتقام واضحة: أراضيها أصبحت جزءاً من خريطة العمليات الحربية، سواء لعبت قواعدها دوراً مباشراً في الضربات الافتتاحية أم لا. وحتى عُمان، التي لا تستضيف بصمة عسكرية أميركية مماثلة وكانت قد دعمت الوساطة، تعرضت أيضاً لضربات استهدفت بنيتها النفطية، بما أوصل الرسالة الأوسع: لا الاستضافة، ولا التحوّط، ولا الوساطة، وفرت حصانة عندما انزلقت المنطقة إلى حرب مفتوحة.  

ضربت إيران الخليج لا لأن دوله أعداء مباشرين لها، بل لأنها تعاملت مع سيادتها بوصفها جغرافيا قابلة للتضحية، مجرد مساحة جانبية في حرب قررت طهران تعميمها. وفي حسابات طهران، صارت هذه الدول عناوين أميركية. وإصابة عُمان رغم عدم استضافتها لقوات أميركية مماثلة ورغم دعمها الوساطة، أظهرت أن هذا المنطق لم يكن مرتبطاً كثيراً بالواقع العملياتي، بقدر ما كان تعبيراً عن قرار بجعل الخليج كله يدفع الثمن.

ومن الصعب المبالغة في حجم ما تحملته دول الخليج منذ بدء الحرب. فمن البحرين والكويت إلى قطر والإمارات والسعودية، واجهت الدول المستضيفة للقوات الأميركية هجمات بالصواريخ والمسيّرات، وأضراراً في البنية التحتية المدنية والطاقة، وتعطيلاً في المطارات، وانتهاكات متكررة لأجوائها وسيادتها. وفي أكثر من حالة، كانت الأهداف أو الضربات قريبة من منشآت ترتبط مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالوجود العسكري الأميركي.

ولم تختر أي من هذه الدول هذه الحرب أو توقيتها. بل إن عدداً منها أمضى أشهراً في الوساطة أو إبقاء القنوات مفتوحة أملاً في تجنب هذا السيناريو تحديداً. ومع ذلك، تحملت جميعها كلفة التصعيد. وهذه هي النقطة: لم يُعفِ ضبط النفس الخليجَ من أن يصبح جزءاً من جغرافيا الانتقام في الحرب.

ما كشفته الأسابيع الثلاثة الماضية ليس ضعفاً خليجياً، بل اختلالاً بنيوياً في علاقة الاستضافة العسكرية، وهو اختلال كانت عقود من الاستقرار النسبي تحجبه عن الأنظار.

فالمنطق الأصلي للتمركز الأميركي في الخليج كان مباشراً: الحضور العسكري الأميركي يردع التهديدات الكبرى عن الدول المضيفة. وقد ظل هذا المنطق قائماً ما دامت إيران تفتقر إلى القدرة على ضرب الخليج مباشرة، أو تختار عدم فعل ذلك. لكن هجمات عام 2019 على المنشآت النفطية السعودية أثارت شكوكاً حول هذا الافتراض، فيما جاء 28 فبراير ليحطمه تماماً.  

فالقواعد لم تفشل فقط في منع الانتقام الإيراني ضد الدول المضيفة، بل إنها، في منطق الاستهداف الإيراني، ساعدت على تعريف تلك الدول بوصفها مواقع مشروعة للرد. وبذلك، فإن بنية أمنية صُممت لطمأنة الخليج زادت أيضاً من تعرضه للخطر عندما انهار الردع.

وهذا ليس قولاً إن قرارات الاستضافة كانت خاطئة. لقد كانت منطقية استراتيجياً، وما تزال كذلك. لكنه قول إن الشروط المحيطة بها صيغت لبيئة تهديد لم تعد موجودة. فقد قبلت دول الخليج مخاطر الاستضافة على أساس أن الردع سيصمد تحت الضغط الشديد. وفي هذه الحرب، لم يصمد. ليس لأن الحضور الأميركي كان يفتقر إلى القوة، بل لأن نظاماً رأى نفسه أمام تهديد وجودي بدا مستعداً لفرض كلفة انتقامية على الدول المنحازة إلى تلك القوة.

لقد فهم قادة الخليج هذا الخطر نظرياً. لكن خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، اضطروا إلى اختباره عملياً. وهذا ما سيحدد شكل المساومة المقبلة مع واشنطن.

ومن أبرز ملامح الأسابيع الثلاثة الماضية أيضاً ضبط النفس الخليجي. فعلى الرغم من الهجمات المتواصلة على البنية التحتية المدنية والمطارات ومنشآت الطاقة والمناطق السكنية، لم تدخل أي دولة من مجلس التعاون الحرب.

وقد أسيء فهم هذا السلوك على نطاق واسع، فاعتُبر إما ضعفاً أو دليلاً على أن دول الخليج ما تزال مجرد أطراف تابعة سلبية للولايات المتحدة. لكنه ليس هذا ولا ذاك. وكما قال رئيس الوزراء القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني هذا الشهر، فإن دول المجلس يجب ألا تُسحب إلى مواجهة مباشرة مع إيران من شأنها أن تستنزف موارد الطرفين معاً، فيما تمنح قوى خارجية فرصة للهيمنة على المنطقة تحت غطاء إدارة الأزمة.

هذا ليس سلوكاً سلبياً، بل امتناعاً محسوباً عن الانجرار إلى صراع ستتحمل دول الخليج كلفته من دون أن تتحكم في نتائجه. فالدخول في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لن يرفع فقط كلفة التصعيد، بل سيعيد رسم موقع هذه الدول الإقليمي لسنوات مقبلة، محولاً دولاً حاولت الحفاظ على هامش للوساطة والتحوط إلى أطراف قتالية صريحة.  

لكن ضبط النفس لا يعني القبول. فقد كشفت الحرب عن ثغرات في إطار التحالف لن تُنسى بعد توقف القتال. وتذهب الرسائل الإماراتية الأخيرة في الاتجاه نفسه، إذ تصوغ المهمة التالية للحرب لا بوصفها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل بوصفها بناءً لنظام أمني خليجي أكثر صلابة. وقد لا تعترض العواصم الخليجية علناً على واشنطن في خضم حرب إقليمية، لكنها بعد انتهائها على الأرجح لن تلتزم الصمت حيال الشروط التي تتحمل بموجبها المخاطر.

وعندما تبدأ مفاوضات ما بعد الحرب، من غير المرجح أن تطالب دول الخليج بانسحاب القوات الأميركية. فالقواعد ما تزال توفر قيمة ردعية، ونفاذاً استخباراتياً، وعمقاً لوجستياً، ورافعة سياسية لا يسهل تعويضها بترتيب بديل.

لكن ما ستطالب به على الأرجح هو الاشتراط: إطار معاد هيكلته، تصبح فيه الاستضافة المستمرة مشروطة بالتشاور، وتقاسم الالتزامات الدفاعية، ووجود آليات أوضح لتوزيع كلفة الانتقام. والمبدأ الأساسي هنا بسيط: الاستضافة يجب ألا تعني تحمل الضربات في حروب لم يأذن بها المضيف.

المطلب الأول هو التشاور المسبق. فدول الخليج ستريد آليات أزمة موثوقة قبل أي عمل عسكري قد يستجلب انتقاماً على أراضيها. وسواء استُخدمت القواعد الأميركية عملياتياً في ضربات 28 فبراير أم لا، فذلك في جانب منه لم يعد هو المهم. إذ إن إيران ضربت على أي حال. وما سيهم بعد الحرب هو أن الحكومات المضيفة تُركت مكشوفة أمام نتائج التصعيد من دون تنسيق مسبق كافٍ. وهذه ليست مطالبة بحق فيتو، بل مطالبة بأن تُعامل هذه الدول بوصفها شركاء لا منصات.  

المطلب الثاني هو تكامل أشد في الدفاع الجوي والصاروخي. فقد اعترضت دول الخليج أعداداً كبيرة من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية باستخدام باتريوت وثاد ومنظوماتها الخاصة، لكن حجم الهجمات أظهر حدود الترتيبات القائمة. ولهذا، من المرجح أن تتضمن أطر الاستضافة المقبلة التزامات أقوى بالدفاع الجوي المشترك، والإنذار المبكر، والاستجابة المنسقة.

المطلب الثالث هو وضوح أكبر في الالتزام الأمني نفسه. فدول الخليج عاشت طويلاً مع غموض استراتيجي في علاقتها الدفاعية مع واشنطن. وبعد هذه الحرب، سيغدو الحفاظ على هذا الغموض أصعب. والقضية هنا ليست بالضرورة معاهدة على نمط الناتو، بل فهماً أوضح لماهية الحماية التي تستعد الولايات المتحدة فعلياً لتقديمها عندما تتعرض الدول المضيفة لهجمات انتقامية.

أما المطلب الرابع فهو تقاسم المخاطر الاقتصادية. فقد فرضت الحرب كلفاً محلية مباشرة عبر الأضرار بالبنية التحتية، واضطراب النقل والطاقة، والضغط على ثقة المستثمرين. ولذلك، من غير المرجح أن تقتصر المساومات المقبلة على التعرض العسكري وحده، بل ستمتد أيضاً إلى سؤال: من يتحمل العبء الاقتصادي عندما يأتي التصعيد الإقليمي نتيجة عمل عسكري أميركي؟  

ولا ينبغي أن يثير أي من هذا قلق واشنطن. بل ينبغي أن يوضح لها طريقة تفكيرها.

فالنفوذ هنا متبادل. إذ لا تملك واشنطن كثيراً من البدائل في المنطقة تضاهي الخليج من حيث البنية التحتية والموقع والاستقرار السياسي، والعواصم الخليجية تدرك ذلك. وأي افتراض بأن الولايات المتحدة تستطيع ببساطة نقل وجودها رداً على الاشتراط الخليجي، يسيء فهم الجغرافيا. فدول الخليج لا تتفاوض من موقع ضعف، بل من إدراك أن الطرفين ما زالا يحتاجان إلى الشراكة، لكن ليس وفق الشروط القديمة.

ودول الخليج لا تتجه إلى الصين، ولا تطلب من الولايات المتحدة المغادرة. إنها تقول لواشنطن إن الصفقة القديمة، التي كانت تجعل الاستضافة تجلب حضوراً أكثر مما تجلب حماية، قد كشفتها ثلاثة أسابيع من النيران الوافدة. والنسخة المقبلة من هذا التحالف ستحتاج إلى أن تعكس ما جعلته هذه الحرب مستحيلاً على التجاهل.

والسؤال هو: هل ستدرك واشنطن هذا التحول في الوقت المناسب لتشكيله، أم أنها ستكتشف الشروط الجديدة فقط في الأزمة التالية، عندما تصبح القواعد التي كانت تأتي يوماً مع التسليم، قواعد تأتي الآن مع الشروط؟  

مهند سلوم أستاذ مساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، وزميل بحث فخري في جامعة إكستر.  

ماذا تقرأ بعد ذلك

العالم, رياضة

-

فيفا تؤكد مشاركة إيران في كأس العالم رغم توتر علاقتها مع واشنطن!

الشرق الأوسط

-

هدنة ترامب: وقف نار 10 أيام يرافقها ترحيب وشكوك لبنانية وإسرائيلية!

تكنولوجي

-

بريطانيا تلوّح لشركات التواصل الاجتماعي بإصدار قوانين جديدة لحماية الأطفال!

العالم

-

حرب لم تبدأها إفريقيا… لكنها تدفع ثمن المواجهة الأميركية الإيرانية!

الشرق الأوسط

-

هدنة تتوسع أم حرب تعود؟ واشنطن تختبر مخرج لبنان وتفاوض إيران تحت ضغط الوقائع! 

ثقافة وفن

-

نجوم هوليوود يتحركون معاً لوقف اندماج باراماونت مع وارنر!