في ذروة الحرب الإقليمية التي انفجرت بعد الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بخطاب حمل لهجة مختلفة عن الخطاب السائد في طهران منذ بدء المواجهة.
بزشكيان قال إن المجلس القيادي المؤقت أقر عدم مهاجمة الدول المجاورة إلا إذا انطلقت من أراضيها هجمات على إيران. ثم ذهب أبعد من ذلك حين قدّم اعتذاراً للدول التي تعرضت لهجمات إيرانية، وأكد أن طهران لا تريد مهاجمة جيرانها.
لكن هذا المسار لم يثبت طويلاً.
بعد ساعات، عاد الخطاب الإيراني الرسمي إلى الصياغة المعهودة: إيران لم تضرب الدول المجاورة بوصفها دولاً، بل استهدفت قواعد أميركية ومنشآت استخدمت في الهجمات عليها. هنا ظهر التناقض بوضوح: إذا كانت طهران لم تضرب الجيران أصلاً، فلماذا جاء الاعتذار؟ وإذا كان الاعتذار يعكس اعترافاً ضمنياً بوقوع ضرر على أراضيهم، فلماذا سارعت مؤسسات أخرى إلى نفي الفكرة سياسياً؟
الخلفية السريعة
1.اندلعت الحرب الحالية بعد الهجمات الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026.
2.ردت طهران بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر نطاق إقليمي واسع شمل البحرين والسعودية والإمارات وقطر والكويت وعمان والأردن والعراق، بما في ذلك إقليم كردستان.
3.دول خليجية وواشنطن وصفت ما جرى بأنه هجمات طالت أراضي دول ذات سيادة وأوقعت أضراراً مدنية ومادية.
4.في المقابل، تمسكت طهران بأن عملياتها استهدفت أصولاً أميركية أو مواقع مرتبطة بالهجوم على إيران، لا الدول المضيفة نفسها.
5.جاءت هذه التطورات في لحظة انتقال شديدة الحساسية داخل النظام الإيراني بعد مقتل علي خامنئي، وتشكيل مجلس قيادة مؤقت يتولى صلاحياته إلى حين اختيار مرشد جديد.
أين يظهر التناقض؟
1. بزشكيان: اعتذار ثم تراجع إلى صيغة التبرير
بزشكيان قدّم الرسالة الأوضح نحو التهدئة. قال إن بلاده لا تريد استهداف الجوار، وإن القرار اتُّخذ بوقف هذه الهجمات ما لم تُستخدم أراضي تلك الدول ضد إيران.
هذه الصيغة تحمل 3 دلالات مباشرة:
1.اعتراف ضمني بأن ما جرى أصاب دول الجوار فعلاً.
2.محاولة سياسية لاحتواء الغضب الخليجي.
3.إشارة إلى أن الرئاسة، أو جزءاً من المجلس المؤقت، يريد فتح نافذة تهدئة.
لكن لاحقاً، عادت لهجة بزشكيان نفسه إلى الرواية الدفاعية: إيران لم تستهدف الدول المجاورة، بل قواعد أميركية داخلها. هذا التعديل لا يعد تفصيلاً لغوياً. هو انتقال من الاعتذار السياسي إلى الإنكار السيادي الجزئي.
2. عراقجي والخارجية: تثبيت الفرق بين الدولة والقاعدة!
وزير الخارجية عباس عراقجي سلك المسار نفسه تقريباً، عبر الإصرار على أن إيران لا تهاجم دول الجوار، بل قواعد أميركية تستخدم ضدها، وأن هناك فرقاً كبيراً بين الأمرين.
هذه الصياغة تخدم هدفين:
1.تخفيف الكلفة السياسية مع العواصم الخليجية.
2.الإبقاء على شرعية الرد العسكري داخلياً، من دون الظهور بمظهر من يتراجع تحت الضغط.
لكن المشكلة أن هذا المنطق لا يبدد أثر الضربات على الأرض. فحين تسقط الصواريخ والمسيّرات أو حطامها في أراضي دولة مجاورة، تصبح الفوارق القانونية التي تصوغها طهران أقل إقناعاً سياسياً وإعلامياً.
3. الحرس والمؤسسة العسكرية: لا اعتذار بل تبرير وردع!
الخط الأقرب إلى الحرس الثوري بدا أكثر تشدداً. هذا الخط لم يذهب إلى الاعتذار، بل ركّز على أن أي استهداف وقع كان مرتبطاً بمواقع أميركية أو بمساحات استُخدمت في العدوان على إيران.
هنا نحن أمام رواية مختلفة عن رواية بزشكيان الأولى:
1.لا حديث عن أسف سياسي.
2.لا اعتراف بخطأ أو تجاوز.
3.لا استعداد لتحمل تبعات دبلوماسية كاملة.
4.تمسك بحق الرد على أي موقع ترى طهران أنه جزء من الحرب عليها.
هذا التباين يفتح سؤالاً مركزياً: هل الرئاسة كانت تعبّر عن قرار مؤسساتي متماسك، أم أنها حاولت إنتاج مسار تهدئة لم توافق عليه بالكامل المؤسسة العسكرية والأمنية؟
4. القضاء والخطاب الداخلي: تشدد ضد الضعف لا ضد الحرب!
رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي لم يركّز على صيغة الاعتذار أو التهدئة، بل على لغة حماية النظام وعدم التساهل مع من يساعد العدو، في سياق داخلي مشحون أصلاً بالاحتجاجات والضغوط الأمنية.
هذه اللغة تنأى بنفسها تتناول الهجمات على الجوار مباشرة، وتنأى بنفس الوقت مع مناخ الاعتذار. فهي تقدم الأزمة كلها بوصفها معركة دفاع عن النظام في مواجهة حرب خارجية واختراق داخلي.
بمعنى آخر:
1.الرئاسة حاولت تهدئة الخارج.
2.القضاء شدد على تماسك الداخل.
3.الحرس ركز على شرعية الردع.
4.النتيجة كانت خطاباً متعدد الرؤوس.
5. رجال الدين: تعبئة أيديولوجية تعاكس مسار التهدئة!
بعض رجال الدين البارزين ذهبوا أبعد في تبني لغة تصعيدية ضد الولايات المتحدة وضد الدول التي يُنظر إليها في طهران على أنها وفرت بيئة للضربات ضد إيران.
هذا الخطاب يضعف أي محاولة دبلوماسية يقودها بزشكيان لسببين:
1.لأنه يعيد تعبئة القاعدة المحافظة على منطق المواجهة المفتوحة.
2.لأنه يبعث رسالة للخارج بأن الاعتذار ليس بالضرورة هو الكلمة النهائية داخل النظام.
من يدير القرار فعلياً؟
المشهد الحالي في إيران لا يمكن فهمه فقط من خلال تناقض التصريحات. المسألة الأعمق هي سؤال السلطة الفعلية بعد مقتل خامنئي.
البلاد تُدار الآن عبر مجلس قيادة مؤقت يضم:
1.الرئيس مسعود بزشكيان.
2.رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي.
3.رجل الدين علي رضا أعرافي بصفته العضو الفقهي في المجلس.
لكن وجود مجلس مؤقت لا يعني بالضرورة أن القرار موحد أو أن كل مؤسسات القوة تنفذ الإيقاع نفسه. فخلال الحرب، تبقى للمؤسسة العسكرية والأمنية، وخصوصاً الحرس الثوري، مساحة حركة كبيرة قد تتجاوز قدرة الرئاسة على فرض خطاب واحد.
وهنا تظهر 4 مراكز للسلطة داخل إيران الآن:
أولاً: المحور الرئاسي:
يميل إلى تقليل الخسائر الإقليمية، واحتواء الغضب الخليجي، ومحاولة منع توسع العزلة السياسية.
ثانياً: المحور العسكري ـ الأمني:
يريد الحفاظ على صورة الردع وعدم الظهور بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد الضربات الكبيرة التي تلقتها إيران.
ثالثاً: المحور القضائي ـ الأمني الداخلي:
يركز على منع انتقال الارتباك الخارجي إلى الداخل الإيراني، ويشدد على ضبط الاحتجاجات والاتهامات بالخيانة أو التواطؤ.
رابعاً: المحور الديني:
يريد حماية شرعية النظام العقائدية، ويقاوم أي خطاب قد يبدو تصالحياً أكثر من اللازم في لحظة حرب.
(تحليل)
ما جرى لا يبدو زلة لسان من بزشكيان، ولا مجرد سوء تنسيق في الرسائل. الأرجح أننا أمام 3 حقائق متزامنة:
1.الرئاسة أرادت إرسال إشارة تهدئة حقيقية إلى الخليج
ذلك لأن طهران تدرك أن توسيع الخصومة مع دول الجوار سيضاعف كلفة الحرب، ويقرب تلك الدول أكثر من واشنطن وإسرائيل.
2.الحرس والتيار المتشدد رفضا أن يتحول الاعتذار إلى قاعدة سياسية. ففي منطق هذا المعسكر، الاعتذار في زمن الحرب يُقرأ ضعفاً، وقد يفتح الباب لمزيد من الضغط الخارجي أو الداخلي.
3.المجلس المؤقت لم ينجح بعد في إنتاج مركز قرار واحد
وهذا أخطر ما تكشفه الأزمة. فالنظام الذي كان يقوم على مرجعية عليا واحدة بات يرسل رسائل متعارضة في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات الانضباط.
بمعنى مباشر: طهران اليوم لا تعاني فقط من ضغوطات الحرب، بل أيضاً من أزمة من يتكلم باسمها النهائي.
التأثير المباشر
1.إقليمياً:
دول الخليج تلقت رسالة مزدوجة من إيران: اعتذار من جهة، وتبرير واستمرار في منطق الاستهداف من جهة أخرى. هذا يضعف الثقة بأي تعهد إيراني سريع.
2.داخلياً:
التناقض يمنح المحافظين مادة للهجوم على بزشكيان بوصفه متساهلاً، وقد يضيّق هامش حركته داخل المجلس المؤقت.
3.عسكرياً:
حين يكون الخطاب السياسي غير موحد، يصبح ضبط قواعد الاشتباك أصعب. وهذا يزيد احتمال وقوع هجمات جديدة حتى لو خرجت تصريحات سياسية مهدئة.
4.في ملف الخلافة:
كل ارتباك في إدارة الحرب سيُقرأ أيضاً باعتباره جزءاً من اختبار ما بعد خامنئي: من يملك القرار؟ ومن يبدو أكثر قدرة على حفظ تماسك النظام؟
ما التالي؟
1.مراقبة ما إذا كان بزشكيان سيكرر علناً صيغة الاعتذار والتهدئة، أم سيلتزم لاحقاً فقط بخطاب استهداف القواعد الأميركية.
2.متابعة مواقف الحرس الثوري والقضاء ورجال الدين خلال الأيام المقبلة، لأنها ستكشف إن كان هناك قرار فعلي بكبح الهجمات على دول الجوار.
3.رصد أي خطوات من المجلس المؤقت لتوحيد الرسالة السياسية والعسكرية، لأن استمرار التضارب سيعني أن أزمة السلطة داخل طهران تتعمق.
4.الانتباه إلى ملف اختيار المرشد الجديد، إذ إن طول المرحلة الانتقالية قد يزيد التنافس بين مراكز القوى بدلاً من تهدئته.
5.مراقبة ردود الفعل الخليجية، لأن العواصم المتضررة ستتعامل مع الوقائع الميدانية أكثر من الصيغ الدبلوماسية الإيرانية.