يتصرف ترامب كما لو أنه يريد كل الخيارات دفعة واحدة. ففي مقابلته مع رويترز قال إن الولايات المتحدة قد تخرج من إيران بسرعة، لكنها قد تعود إذا لزم الأمر لشن ضربات محددة، وأكد في الوقت نفسه أنه يدرس بجدية الانسحاب من الناتو بسبب ما يراه غياباً للدعم الأوروبي في هذه الحرب. وبعدها مباشرة نشر رسالة أشد حدة قال فيها إن رئيس النظام الإيراني الجديد طلب وقفاً لإطلاق النار، وإن واشنطن لن تنظر في ذلك إلا إذا صار مضيق هرمز مفتوحاً وحراً وآمناً، وإلى ذلك الحين سنواصل تدمير إيران.
هل هذا يسمى إدارة مقصودة للغموض؟
تزداد أهمية هذه الرسائل لأن خطابها السياسي يترافق مع تدفق عسكري لا يوحي بانسحاب بهذه البساطة. أكسيوس تقول إن رسائل ترامب المتضاربة حيّرت حتى فريقه نفسه، وإن بعض مساعديه يرون أنه يرتجل من دون خطة واضحة، بينما يقول آخرون إن عدم القدرة على توقعه هو “الخطة” نفسها. لكن وسط هذا الضباب تواصل الإدارة حشد قوات إضافية في المنطقة، بما يشبه بناء قابلية أكبر للتصعيد وليس للانكفاء
!
تفصيل
ما يجعل مهلة 6 أبريل مهمة هو أنها تمثل نقطة اختبار بين الكلام والفعل. تشير أكسيوس إلى أن بعض المسؤولين الأميركيين يعتقدون أنه إذا اقترب هذا الموعد من دون اتفاق، فقد ينفذ ترامب ضربة نهائية ثقيلة على البنية التحتية الإيرانية والمنشآت النووية ثم ينسحب. لكن التقرير نفسه يطرح في الوقت ذاته احتمالاً آخر: إعلان الخروج خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، مع الاحتفاظ بحق العودة لاحقاً إلى ضربات دورية إذا بقيت قدرات إيران الصاروخية والمسيرة قائمة.
على الأرض، تدفع واشنطن بآلاف إضافية من المارينز والبحارة إلى الشرق الأوسط لبناء قدرة على عمليات مستقبلية محتملة، زمن بينها إرسال يو إس إس تريبولي مع وحدتها الاستكشافية، وهو ما يضيف عدة سفن وآلاف العناصر ومقاتلات F-35 إلى المشهد. وفي موازاة ذلك بدأت قاذفات B-52 تنفيذ طلعات فوق إيران للمرة الأولى منذ بدء الحرب، في إشارة إلى مستوى أعلى من السيطرة الجوية والثقة العملياتية.
هذا التراكم العسكري يضعف فرضية اللامبالاة. من يجهز هذا الحجم من القوة لا يتصرف كمن فقد الاهتمام، بل كمن يريد أن يبقى ممسكاً بسقف التهديد حتى آخر لحظة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ضربة 6 أبريل أصبحت حتمية. فالتسريبات نفسها تقول إن ترامب يميل أيضاً إلى إعلان نصر مبكر والخروج سريعاً، حتى لو بقي مضيق هرمز مغلقاً أو لم يوجد اتفاق نهائي. هنا تصبح الرسائل المتضادة أداة تفاوض وضغط نفسي بقدر ما هي تعبير عن تردد حقيقي داخل الإدارة.
ماذا بعد؟
الترقب الآن يتوجه نحو خطاب ترامب إلى الأمة هذا اليوم. إذا كرر منطق الخروج السريع مع إبقاء حق العودة، فالأرجح أن واشنطن تتجه إلى تثبيت نموذج ضغط مستمر ولا نية لدخول حرب الحسم النهائي. أما إذا أعاد ربط المهلة بعمل كبير ورفع نبرة الحديث عن المنشآت النووية والبنية التحتية، فسيصبح 6 أبريل أقرب إلى موعد تنفيذ . في الحالتين، لا يبدو أن البيت الأبيض قد قرر بين إنهاء الحرب وبين إعادة تعريفها على شكل جولات متقطعة.
(تحليل)
الأرجح حتى الآن أن ترامب يتصرف من موقع رئيس يريد أن يحتفظ بحق التراجع والتصعيد معاً. التناقض هنا لا يعد عيباً عارضاً، التناقض يعمل كأداة تشغيل: •يربك الخصم،
•ويربك الحلفاء،
•ويمنح واشنطن مساحة أوسع قبل لحظة القرار.
لكن هذا الأسلوب له ثمن واضح. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والقوة التي جرى حشدها، صار الخطر أكبر بأن تتحول الاستراتيجية من إدارة الغموض إلى انطباع بأن القرار نفسه لم ينضج بعد. لذلك قد يكون خطاب الليلة أقل أهمية بوصفه إعلان موقف، وأكثر أهمية بوصفه اختباراً: هل سيحوّل ترامب التناقض إلى تكتيك، أم سيبقيه هو الاستراتيجية نفسها؟