الجامعات الإيرانية؛ اختبار تاريخي لليسار!
مهران صولتي*
أخيرًا، وصلت موجة العداء لليسار، التي سادت في السنوات الأخيرة، إلى معقله التقليدي، إذ شهدت الجامعات الإيرانية في الأيام الماضية بروز تيار ملكي. وفي هذا السياق، حاول الطلاب الجمهوريون في بعض التجمعات أن يردّدوا شعارات الديمقراطية والمساواة، غير أنّ المواجهة ما تزال غير متكافئة. يبدو، إذن، أنّ التيار اليساري يواجه اليوم اختبارًا تاريخيًا لإثبات جدارته في بيته التقليدي، أي الجامعة. ولكن لماذا نشهد تراجع هذا التوجّه بين طلاب اليوم؟
غلبة البعد العالمي على البعد الوطني:
من الواضح أنه لا يمكن العيش في إيران من دون التأثر باتجاه العالم نحو اليمين، وهو توجّه يملك اليوم اليد العليا نسبيًا في أوروبا وأميركا الجنوبية. وبالمثل، نواجه جيلًا من الطلاب يؤمن بالبعد العالمي أكثر من الوطني. ففي زمن تحوّل فيه الخطاب الوطني إلى مجرد شعار لا يُستدعى إلا عند تعرّض كيان البلاد للخطر، لا يمكن الاستمرار في الحديث عن “أمة” إيرانية مع حرمان المواطنين من حق تقرير المصير.
تراجع أولوية الحرية الإيجابية:
بالاستناد إلى مفهومي آيزايا برلين، الحرية السلبية (التحرر من القيود) والحرية الإيجابية (التمكين لتحقيق المساواة في الفرص)، يمكن القول إن اليمين يقدّم أولوية “التحرر من” أي إزالة العوائق أمام الإرادة الفردية، بينما يمنح اليسار الأولوية لـ“التحرر من أجل” أي إرساء مساواة الفرص بين المواطنين. غير أنّ تطورات الجامعات تشير إلى أنّ الطلاب باتوا متعجلين للخلاص من قبضة “ليفياتان” السلطة، إلى حد أنهم لا يملكون الصبر لتحقيق الحرية الإيجابية ذات الطابع المساواتي.
أولوية الحياة وتراجع مفهوم الخير العام:
يتميّز اليسار بتقديم الخير العام على المنافع الفردية. فالجمهوريون، بالعودة إلى اليونان القديمة، يدافعون عن “الفضيلة المدنية” بوصفها أولوية السعادة الجماعية. أما التيار الغالب بين الشباب، فيركّز على تحرير الذات من أي التزام جمعي. جيل باتت رغبته الأولى حياة عادية خالية من القلق المرهق. وفي هذا السياق، زادت تجربة الطموحات غير المتحققة للجمهورية الإسلامية من تشكك الطلاب في إمكانية تحقيق أي خير عام.
تعاظم أهمية القيادة:
فكرة الجمهورية، باعتبارها تقوم على مشاركة المواطنين جميعًا في أي مشروع سياسي، تتحفظ على إبراز دور قائد محدد في رسم المستقبل. في المقابل، يمكن تفسير تصاعد النداء المؤيد لبيت بهلوي في الجامعات بالحاجة إلى قيادة واضحة. ومن ثم، ما لم يتمكن اليسار من إبراز قيادة تُجسّد تطلعات الجمهوريين، فلن يكون قادرًا على منافسة التيار الملكي.
خلاصة:
حركة “المرأة، الحياة، الحرية” رسّخت موقع الشارع في مواجهة صندوق الاقتراع (كما عكس انخفاض المشاركة في الانتخابات الرئاسية). لكن انتفاضة دي 1404 طرحت شكوكًا جدية حول فكرة الإصلاح من الداخل، ودفعت بعض الإيرانيين إلى التعويل على تدخل خارجي. وهو تحوّل يعكس فقدان الأفق لدى الشباب وتفاقم الضغوط الاقتصادية. وعليه، فإن أي فكرة سياسية لا تنجح في ربط خيالها السياسي بتحسين الواقع المعيشي لن تجد لها موطئ قدم في ذهن الإيرانيين.
*مهران صولتي باحث وكاتب إيراني في قضايا المجتمع والسياسة/ دكتوراه في علم الاجتماع السياسي.