استهدفت الهجمات الإسرائيلية الأميركية يوم الجمعة واحداً من أكثر مفاصل الاقتصاد الإيراني حساسية: الصلب والحديد.
فهذا القطاع يعد رافعة أساسية للإيرادات غير النفطية، وعموداً لسوق البناء والتشييد، ومدخلاً مهماً لصناعات تمتد من السيارات والأجهزة المنزلية إلى بعض الاستخدامات العسكرية.
تشير التقارير المتاحة إلى أن الضربات أصابت مجمع “فولاد مباركة” في أصفهان و “مجمغ خوزستان” للصلب، كما طالت مواقع صناعية أخرى بينها منشآت في فيروز آباد، فيما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن منشأة “خنداب للماء الثقيل” كانت من بين المواقع المتأثرة بالهجمات.
ووصفت نيويورك تايمز ما جرى بأنه انتقال أوسع في الاستهداف نحو البنية الصناعية المدنية والاقتصادية.
اقتصادياً، أهمية هذا القطاع كبيرة بما يكفي لتفسير هذا الاختيار. بيانات نقلتها مهر عن جمعية منتجي الصلب الإيرانيين قالت إن صادرات الحديد والصلب الإيرانية بلغت ٦.٥ مليارات دولار في أول عشرة أشهر من السنة الإيرانية الجارية التي بدأت في ٢١ مارس ٢٠٢٥، بزيادة ٢٢٪ على أساس سنوي. كما أظهرت بيانات سابقة نشرتها طهران تايمز أن قيمة صادرات القطاع في السنة الإيرانية السابقة المنتهية في مارس ٢٠٢٤ بلغت ٧.٨ مليارات دولار. وبموازاة ذلك، يضع الاتحاد العالمي للصلب إيران ضمن كبار المنتجين عالمياً، إذ قدّر إنتاجها بنحو ٣٠.٩ مليون طن من الصلب الخام في ٢٠٢٥.
الضربة على هذا القطاع تحمل ثلاث مستويات من الآثار.
- الأولى نقدية: أي تعطيل طويل الأمد للإنتاج أو التصدير يضغط على واحد من أهم مصادر العملة الصعبة غير النفطية.
- الثانية داخلية: يدخل الصلب مباشرة في البناء والإسكان والبنية التحتية، ما يعني أن إصابة خطوطه أو طاقته الكهربائية سترفع كلفة التنفيذ وتبطئ المشاريع.
- والثالثة صناعية أوسع: يعد الصلب مادة وسيطة لا غنى عنها لقطاعات كثيرة، ولذلك فإن إصابة هذا القلب قد تنعكس سريعاً على مصانع السيارات والمعدات والأجهزة وشبكات الموردين.
لايقاس هذا الاستهداف بما دُمّرته إسرائيل اليوم، وإنما ينسحب إلى ما يمكن أن يتعطل غداً.
وإذا استمر استهداف المجمعات الكبرى أو محطات الكهرباء المرتبطة بها أو الموانئ والخدمات اللوجستية، فإن الضرر قد يتحول من خسارة إنتاجية مؤقتة إلى اختناق صناعي أوسع. نقلت نيويورك تايمز عن مسؤول إيراني رفيع أن ضرب مصانع الصلب يمثل ضربة كبيرة للاقتصاد وسيعقّد التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب، لأن هذه المجمعات تنتج مواد أساسية للبناء والطرق.
ويحمل الشق النووي أثراً مختلفاً. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت أن “خنداب” أي مفاعل الماء الثقيل قيد الإنشاء، كان من المنشآت المتأثرة، لكنها أشارت أيضاً إلى أنه لم يكن يحتوي مواد نووية. هذا يعني تعطيل بنية تحتية حساسة ورفع كلفة الاستمرار والتطوير، أكثر من كونه خسارة فورية لمخزون نووي قائم داخل الموقع نفسه. وبالمثل، فإن استهداف مواقع مرتبطة بدورة الوقود أو البنية المساندة يعمّق كلفة البرنامج ويطيل زمن استعادته.
هذا بالإضافة إلى ما يتعلق بسوق العمل والضغط الاجتماعي. فمجمعات الصلب الإيرانية الكبرى تشغّل أعداداً كبيرة مباشرة وغير مباشرة عبر المقاولين وعمال التقل والخدمات والتغذية الصناعية. لذلك فإن أي توقف طويل أو خفض تشغيل بسبب الضرر أو انقطاع الكهرباء أو اضطراب التوريد سيظهر سريعاً في شكل بطالة جزئية من خلال:
-خفض ساعات العمل،
-أو تجميد استثمارات.
ماذا بعد؟
إذا استمرت هذه الضربات، فالأرجح أن يتحول الملف من خبر عسكري إلى قصة اقتصادية شديدة الوطأة تتمثل ب: •تراجع في التصدير،
•ضغوط على سعر الصرف،
•اضطراب في البناء والصناعة التحويلية، •وارتفاع كلفة أي تعافٍ بعد الحرب. والأهم أن استهداف الصلب مع النووي يعني أن الحملة لا تضرب فقط قدرة إيران على الرد الآن، بل قدرتها على إعادة بناء نفسها لاحقاً.