EN AR
EN

الديمقراطيون وقلق الذكاء الاصطناعي

نيكول جيفري 

لم يمنح انتصار الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية السيطرة على الكونغرس فحسب، لقد وضع بين أيديهم واحداً من أعقد ملفات المستقبل: الذكاء الاصطناعي. غير أن الحزب الذي توحد انتخابياً في مواجهة دونالد ترامب لا يمتلك حتى الآن رؤية موحدة لمواجهة الثورة التكنولوجية التي تتقدم أسرع من قدرة السياسة على استيعابها.

داخل الحزب الديمقراطي يدور صراع بين تيارين. الأول تقدمي، يرى في الذكاء الاصطناعي امتداداً لاختلالات الرأسمالية الأميركية، حيث تتركز الثروة والبيانات والقدرة الحاسوبية لدى عدد محدود من الشركات. أما الثاني، الأكثر اعتدالاً وقرباً من وادي السيليكون، فيخشى أن تتحول القيود التنظيمية إلى عقبة أمام الابتكار الأميركي، خصوصاً في المنافسة الاستراتيجية مع الصين.

هذا الانقسام ليس نظرياً. فالسيناتور المستقل بيرني ساندرز، المتحالف مع الديمقراطيين، يدعو إلى وقف التوسع في مراكز البيانات ووضع قيود صارمة على تطوير الأنظمة المتقدمة، بينما يفضل آخرون وضع معايير للسلامة والمساءلة دون تعطيل الاستثمارات. وبين الموقفين تقف شركات التكنولوجيا، التي تريد قواعد واضحة، لكنها ترفض أن تتحول الرقابة إلى سلطة تحدد سرعة تطورها.

لقد كشفت الانتخابات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تخص المهندسين والمستثمرين. أصبح قضية معيشية. فالناخب الذي يخشى فقدان وظيفته، أو ارتفاع فاتورة الكهرباء بسبب مراكز البيانات، لا يعنيه كثيراً تفوق نموذج أميركي على آخر صيني. إنه يريد معرفة نصيبه من الثروة التي تعد بها التكنولوجيا.

وتكشف استطلاعات مركز بيو أن 56% من الديمقراطيين يشعرون بالقلق أكثر من الحماس تجاه انتشار الذكاء الاصطناعي. وهي نسبة تفسر لماذا أصبحت الدعوة إلى ضبط نفوذ شركات التكنولوجيا قضية انتخابية، لكنها لا تقدم إجابة عن كيفية إدارة الاقتصاد الجديد.

المعضلة الأعمق أن الديمقراطيين يواجهون تناقضاً بين هويتهم التاريخية كحزب يدافع عن العمال، وعلاقتهم بقطاع تكنولوجي يستثمر المليارات في أتمتة العمل البشري. فكيف يمكن حماية الوظائف دون إبطاء الإنتاجية؟ وكيف يمكن توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي دون إضعاف الشركات التي تصنعها؟

والأهم أن السيطرة على الكونغرس لا تعني السيطرة على السياسة التكنولوجية. فترامب لا يزال في البيت الأبيض، ويتمتع بحق النقض، بينما تحتاج التشريعات الكبرى إلى توافق يتجاوز الانقسام الحزبي.

قد يستطيع الديمقراطيون استخدام سلطاتهم الجديدة لمساءلة الشركات، وفرض مزيد من الشفافية، وحماية المستهلكين. لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد جلسات الاستماع أو القوانين المقترحة، وإنما بقدرتهم على صياغة عقد اجتماعي جديد يجعل التقدم التكنولوجي مصدراً للازدهار المشترك.

لقد ربح الديمقراطيون معركة انتخابية، لكن معركتهم مع الذكاء الاصطناعي بدأت للتو. وهي معركة لن تحدد  طبيعة العلاقة بين الإنسان والعمل ورأس المال في أميركا المقبلة.

المزيد من مقالات نيكول جيفري

المزيد من التحليلات ووجهات النظر بقلم هذا الكاتب