أحمد كاوه
قبل سنوات، كانت فصائل عراقية مسلحة تعبر الحدود إلى سوريا للمشاركة في الحرب إلى جانب نظام بشار الأسد، بدعم من إيران. واليوم، يقف رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في دمشق، إلى جانب الرئيس السوري أحمد الشرع، ليعلن أن العراقيين والسوريين «شعب واحد في دولتين». وبين المشهدين تاريخ ثقيل من الدماء والانقسامات، وتحول سياسي يستحق التأمل.
عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، لم تكن العلاقة بين الشعبين العراقي والسوري هي التي فرضت نفسها على حسابات القوى المسلحة، بل الصراع على بقاء النظام السوري. ومنذ عام 2012، بدأت مجموعات عراقية مرتبطة بإيران بالتوجه إلى سوريا، قبل أن يتوسع حضورها العسكري خلال السنوات التالية.
برزت أسماء مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء ولواء أبي الفضل العباس. ورفعت هذه الفصائل شعار الدفاع عن المراقد الدينية، لكن مشاركتها العسكرية امتدت إلى جبهات أخرى، ضمن الجهود الرامية إلى حماية نظام الأسد من السقوط.
لم تكن تلك المشاركة تفصيلاً عابراً في الحرب. فقد ساهمت في تحويل سوريا إلى ساحة للصراع الإقليمي، بينما وثقت منظمات حقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها قوات النظام وحلفاؤه، شملت القتل خارج القانون واستهداف المدنيين. كما وثقت انتهاكات ارتكبتها أطراف مسلحة أخرى في النزاع.
وكانت المفارقة أن فصائل تحمل أسماء عراقية وتعمل ضمن المشروع الإيراني تقاتل في بلد تربطه بالعراق علاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة. بالنسبة إلى كثير من السوريين، لم تكن تلك الفصائل تمثل الشعب العراقي، وإنما قوة مسلحة اختارت الوقوف إلى جانب النظام الذي ثاروا عليه.
ثم تغير المشهد.
سقط نظام الأسد في نهاية 2024، وفي 28 أكتوبر 2026 وصل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق، في أول زيارة رسمية لرئيس حكومة عراقية منذ سقوط النظام السابق. وكان في استقباله الرئيس أحمد الشرع، في صورة سياسية مختلفة تماماً عن سنوات الحرب.
قال الزيدي إن العراقيين والسوريين شعب واحد في دولتين، وتحدث عن توسيع التعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية. ولم تقتصر المباحثات على المجاملات الدبلوماسية؛ فقد تناولت تصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس بطاقة مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً، وزيادة التبادل التجاري والتكامل الزراعي.
هنا تكتسب الزيارة أهميتها. فالحدود التي عبرها المقاتلون في سنوات الحرب يمكن أن تصبح معبراً للسلع والطاقة والاستثمارات. والبلدان اللذان استنزفتهما النزاعات يمتلكان مصالح اقتصادية تجعل التعاون بينهما خياراً عملياً، لا مجرد خطاب عن الأخوة والجوار.
لكن المصالحة السياسية لا تعني محو الذاكرة. فالضحايا السوريون لا تختفي معاناتهم بتغير الحكومات، ولا ينبغي أن تتحول المصالح الجديدة إلى ذريعة لتجاهل الانتهاكات القديمة. إن بناء علاقة مستقرة يتطلب احترام السيادة، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وعدم السماح للفصائل المسلحة بإعادة إنتاج التدخلات السابقة.
كذلك لا يصح اختزال العراق في الميليشيات التي قاتلت داخل سوريا. فالعراقيون أنفسهم دفعوا أثماناً باهظة للعنف الطائفي والإرهاب والصراعات الإقليمية، مثلما دفع السوريون أثمان الحرب التي دمرت بلادهم.
لهذا تحمل عبارة الزيدي معنى يتجاوز المناسبة الدبلوماسية. إنها تفتح نقاشاً حول الفرق بين العلاقات التي تصنعها الجغرافيا والمصالح المشتركة، وتلك التي تفرضها الميليشيات والسلاح.
لقد عرفت سوريا وجهاً عراقياً جاءها مقاتلاً في صفوف فصائل مرتبطة بإيران، وهي تستقبل اليوم وجهاً عراقياً رسمياً يتحدث عن التجارة والطاقة والشراكة.
والاختبار الحقيقي ليس في جمال العبارة التي قيلت في دمشق، بل في قدرة الحكومتين على ترجمتها إلى سياسات تحمي الحدود وتوسع المصالح الاقتصادية وتحول دون عودة التدخل المسلح.
فالشعبان لا يحتاجان إلى إثبات الروابط التي تجمعهما. ما يحتاجانه هو أن تصبح تلك الروابط أقوى من المشاريع الإقليمية التي فرّقتهما، وأن تكون العلاقة بين بغداد ودمشق علاقة دولتين تتعاونان بإرادتهما، لا ساحتين تتقاسمهما الميليشيات.
مراجع التوثيق: مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، معهد الشرق الأوسط
، منظمة العفو الدولية
، الجزيرة
، المربد — بيان زيارة الزيدي
.