EN

لماذا يبدي الكورد قلقهم من مغادرة امريكا العراق

حين تغادر القوات الأميركية العراق، ترى بغداد فرصة لإعلان اكتمال السيادة، بينما ينظر كثير من الكورد إلى السماء: من سيحمي المدن والمطارات وحقول النفط إذا عادت المسيّرات والصواريخ؟ هذا الاختلاف في النظر إلى الانسحاب يكشف اختلافاً في تقدير قدرة الدولة على توفير الأمن لجميع مواطنيها، بعيداً عن الشعارات والاحتفالات.

أعلنت واشنطن، في الثلاثين من سبتمبر، اكتمال خروج قواتها، مع استمرار دعم استخباري وتدريب محدد للعراقيين. لكن وزارة البيشمركة عبّرت عن قلقها من المغادرة دون توفير منظومة دفاع بديلة، بحسب أسوشيتد برس. لذلك يبدأ القلق الكوردي من سؤال عملي: ما الذي سيعوّض الحماية التي خرجت مع الجنود؟

فالبيشمركة تستطيع القتال على الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها بناء مظلة جوية متكاملة. ويرى الباحث والصحافي فلاديمير فان فيلغنبورغ، في تحليل نشره المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، أن إزالة منظومات باتريوت تزيد انكشاف الإقليم أمام الصواريخ الباليستية، وتدفع أربيل إلى تعاون أكبر مع بغداد لحماية المنشآت الاستراتيجية.

ويحمل الانسحاب بعداً سياسياً أيضاً. ففي قراءة لموازين القوى، يمنح وجود شريك دولي أربيل مساحة أوسع للمناورة والتفاوض، حتى من دون ضمان أميركي مطلق. ومع تقلّص هذا الحضور، تخشى أن تصبح خلافاتها مع المركز أكثر تأثراً بضغوط القوى المسلحة والإقليمية. إنه قلق من اختلال التوازن بقدر ما هو قلق من هجوم محتمل.

وتزيده تعقيداً مشكلة السلاح خارج سلطة الدولة. فالانسحاب العسكري تحقق، بينما بقي نزع سلاح الفصائل النافذة متعثراً، وفق أسوشيتد برس. ومن وجهة نظر القلقين في الإقليم، قد تنسحب قوة ردع قبل أن تصبح المؤسسات العراقية قادرة على منع الأطراف المسلحة من فرض خياراتها.

أما داعش، فيعيد التذكير بأن خسارة التنظيم أراضيه لا تعني انتهاء خطره. وقد رصدت رويترز مخاوف عراقية وكوردية من نشاط خلاياه ومن تأثير فقدان الدعم العسكري والاستخباري الأميركي. والخشية هنا أن تتحول فجوات التنسيق والقدرات إلى فرصة يستغلها التنظيم لإعادة تنظيم نفسه، لا أن عودته أصبحت أمراً محتوماً.

لكن القلق لا يعفي القيادة الكوردية من مسؤولياتها. فقد أعلنت رئاسة الإقليم بدء إجراءات توحيد البيشمركة تحت وزارة واحدة، وشددت على التنسيق مع الجيش العراقي. نجاح هذه الخطوة يتطلب تجاوز الولاءات الحزبية وبناء قيادة مهنية، لأن الشراكة الخارجية لا تستطيع تعويض الانقسام الداخلي إلى الأبد.

لذلك، لا يكفي الرد على الكورد بأن العراق استعاد سيادته. المطلوب أن تتحول السيادة إلى حماية ملموسة: دفاع جوي، ومعلومات استخبارية، وتنسيق أمني، وسلاح يخضع للدولة. حين تتوافر هذه الشروط، يصبح خروج الأميركيين انتقالاً إلى الاعتماد على المؤسسات. أما قبل ذلك، فيبقى السؤال الكوردي مشروعاً: هل غادر الحليف لأن الخطر انتهى، أم غادر والخطر ما زال قائماً؟