EN AR
EN

السعودية والتمييز بين العدو والصديق

أحمد كاوه

يضع الفيلسوف السياسي الألماني كارل شميت التمييز بين الصديق والعدو في قلب مفهوم السياسة. فالدولة، وفق تصوره، لا تُعرّف فقط بمؤسساتها وحدودها ومصالحها، وإنما بقدرتها على تحديد الطرف الذي يهدد وجودها وأمنها، والتمييز بينه وبين الطرف الذي تتقاطع معه مصالحها. وعندما تفقد الدولة هذه القدرة، تصبح قراراتها السياسية عرضة للتناقض، مهما امتلكت من ثروة ونفوذ وقوة عسكرية.

تبدو السعودية اليوم أمام اختبار لهذا المفهوم. فقد تعرضت منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية لهجمات متكررة من جماعة الحوثي المدعومة من إيران. واستهدفت الهجمات المطارات والبنية التحتية للطاقة، وصولاً إلى مطار الرياض، بما يحمله من رمزية سيادية وأهمية اقتصادية. ولم يعد الأمر مجرد تهديد حدودي، بل أصبح مساساً مباشراً بشرايين الاقتصاد السعودي وبالاستقرار الذي تقوم عليه مشروعات المملكة الكبرى.

بل إن نائب وزير الخارجية السعودي رائد كرملي اتهم إيران صراحة بتشجيع الحوثيين على تصعيد هجماتهم، والاستمرار في تسليحهم وتدريبهم. وهنا يبرز السؤال الذي كان كارل شميت سيضعه في صدارة التفكير السياسي: إذا كانت دولة تدعم جماعة تستهدف مطاراتك ومنشآتك النفطية ومصالحك الاستراتيجية، فما الذي ينقص لتعريفها عدواً؟

المفارقة أن الرياض، بدلاً من ترجمة هذا الإدراك إلى موقف سياسي أكثر وضوحاً، تواصل التعامل مع طهران بليونة لافتة. ففي يوليو الماضي، أوفدت نائب وزير خارجيتها وليد الخريجي لتقديم التعازي بمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. وفي 26 أكتوبر، توجه وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى طهران ضمن وفد إقليمي لبحث خفض التصعيد وإيجاد مخرج دبلوماسي للأزمة الإيرانية.

قد تكون لهذه الزيارات حساباتها الدبلوماسية، وقد ترى الرياض أن تجنب الحرب يخدم مصالحها. لكن المشكلة ليست في الحوار مع الخصم؛ فالدبلوماسية ضرورة حتى بين الأعداء. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحفاظ على العلاقة مع الطرف المهدِّد أكثر حضوراً من مساءلته عن تهديداته.

ولا يعني مفهوم العدو عند شميت وجوب إعلان الحرب عليه. إنه يعني أولاً إدراك طبيعة الخطر، ثم بناء السياسة انطلاقاً من ذلك الإدراك. فالسلام الذي يقوم على موازين واضحة للمصالح والقوة يختلف عن التهدئة التي تمنح الخصم فرصة الاستمرار في سلوكه دون تغيير.

والسعودية، التي وضعت اقتصادها ومستقبلها التنموي في قلب مشروعها الوطني، تحتاج إلى وضوح استراتيجي يوازي حجم تلك الطموحات. فلا يمكن حماية الاستثمارات والمطارات وشرايين الطاقة إذا ظل تعريف مصدر التهديد منفصلاً عن إدارة العلاقات السياسية.

إن أخطر ما قد تواجهه دولة ليس وجود عدو يمتلك القدرة على إيذائها، بل أن تفقد البوصلة التي تميز بها بين من يهدد مصالحها ومن يحميها.

المزيد من مقالات أحمد كاوه

المزيد من التحليلات ووجهات النظر بقلم هذا الكاتب