EN

ممر التكنولوجيا الجديد في الشرق الأوسط: إسرائيل والخليج والهند

كارولين هايات

عندما طُرحت فكرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) عام 2023، بدت كواحدة من أكثر مشاريع الربط طموحاً في الحقبة الجيوسياسية الجديدة. شبكة متعددة الوسائط تصل الهند بأوروبا عبر شبه الجزيرة العربية، وتجمع السكك الحديدية والموانئ والبنية التحتية للطاقة والاتصال الرقمي في منظومة واحدة.

لكن بعد 3 سنوات، بات المشروع أمام مفارقة أساسية. فمن الناحية الاقتصادية، أصبحت الحاجة إليه أكثر إلحاحاً بعدما تسببت الحروب والهجمات على الملاحة وعدم اليقين المحيط بمضيق هرمز في اضطراب سلاسل الإمداد الإقليمية. وفي المقابل، أصبحت الظروف السياسية اللازمة لتشغيل الجزء الإسرائيلي من الممر أكثر تعقيداً بكثير.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن فكرة ربط الهند بالخليج وإسرائيل تتلاشى. قد تكون المنطقة، في الواقع، تتجه إلى نموذج مختلف، تتحرك فيه التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتصنيع المتقدم بوتيرة أسرع من الممر المادي نفسه.

ومن هذه الزاوية، قد يتبين في النهاية أن الجزء الأكثر أهمية في مشروع IMEC ليس خط السكك الحديدية.

تعتمد الصيغة الأصلية للممر على سلسلة مترابطة من المسارات السياسية والبنى التحتية، تبدأ من الهند، وتعبر الخليج والسعودية والأردن إلى إسرائيل، ثم تتجه إلى أوروبا. ولهذا لا تمثل السعودية مجرد محطة أخرى على الطريق، بل مكوناً أساسياً في البنية الجغرافية للمشروع.

إلا أن الحربين في غزة وإيران غيّرتا البيئة السياسية التي وُلدت فيها هذه الفكرة.

فالتطبيع السعودي الإسرائيلي، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد الشروط السياسية المهمة للصيغة الأصلية للممر، تراجع على سلم أولويات الرياض المباشرة. وتواصل السعودية مساعيها نحو التكامل الاقتصادي الإقليمي وتنويع اقتصادها، لكن قيادتها ربطت مراراً مسألة التطبيع مع إسرائيل بالقضية الفلسطينية.

كما يشكل الرأي العام قيداً إضافياً. فقد أظهر استطلاع لمعهد واشنطن نُشر في أغسطس 2025 تراجعاً حاداً في تأييد التطبيع مع إسرائيل على خلفية حرب غزة، ووصف التقرير عملية التطبيع بأنها متوقفة فعلياً.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد هيمنت الحرب والأمن القومي على أولوياتها الاستراتيجية خلال السنوات الـ3 الماضية، ما أضعف الحوافز السياسية لتقديم تنازلات كبيرة من أجل تسريع مشروع بنية تحتية طويل الأمد.

وهكذا نشأت مفارقة غير مألوفة: ازدادت المبررات الاقتصادية لإنشاء ممر يربط الهند بالخليج والبحر المتوسط، في الوقت الذي تدهورت فيه الظروف السياسية اللازمة لاستكمال حلقته الإسرائيلية.

وقد تكون هذه الفجوة أكثر أهمية من الجدول الزمني للبناء نفسه. فحتى لو اختفت العقبات السياسية، يبقى أمام IMEC اختناق مادي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

قدّر تحليل للمجلس الأطلسي نُشر عام 2025 أن منظومة سكك حديدية أحادية التكديس، تعمل بكامل طاقتها وتربط موانئ الخليج بحيفا عبر الأردن، يمكنها في البداية نقل نحو 1.5 مليون حاوية قياسية سنوياً. ومع استخدام قطارات مزدوجة التكديس وإضافة وصلة إلى أشدود، قد ترتفع القدرة مستقبلاً إلى نحو 3 ملايين حاوية قياسية.

وتتمتع حيفا بموقع استراتيجي بوصفها بوابة إسرائيل إلى البحر المتوسط، لكنها تظل أصغر بكثير من موانئ الخليج الكبرى من حيث مناولة الحاويات. ويعني الحجم الهائل لميناء جبل علي في دبي، على وجه الخصوص، أن الجانب الخليجي من الممر يعمل ضمن نطاق لوجستي مختلف تماماً.

مع ذلك، واصلت إسرائيل توسيع بنيتها التحتية للموانئ. وقدّر تحليل للمجلس الأطلسي نُشر في يوليو 2026 أن القدرة الإجمالية لميناءي حيفا وأشدود تبلغ نحو 5 ملايين حاوية قياسية سنوياً، مع خطط توسع يمكن أن تضاعف هذا الرقم.

لذلك، لا تتمثل المشكلة في امتلاك إسرائيل ميناء من عدمه، بل في قدرة الشبكة بأكملها على توفير طاقة استيعابية كافية، ومسارات بديلة، ومستوى من الموثوقية السياسية يسمح لها بمنافسة طرق الشحن البحري التقليدية.

وهناك تعقيد آخر: البنية التحتية نفسها تحولت إلى قضية استراتيجية.

فتركيز منشآت لوجستية حيوية داخل دولة معرضة مباشرة لصراعات إقليمية يخلق نوعاً من المخاطر التي صُمم IMEC، جزئياً، للتقليل منها. فالممر الذي يفترض أن يعزز مرونة سلاسل الإمداد لا يمكن أن يعتمد على عقدة واحدة قابلة للتعطيل.

وقد يكون الحل، بالتالي، ليس ممراً واحداً، بل شبكة من الممرات البديلة.

وفي هذا السياق، رأى تحليل للمجلس الأطلسي نُشر في يونيو 2026 أن توسيع شبكة IMEC لتشمل عقداً إضافية في عُمان والسعودية ومصر، وربما سوريا، يمكن أن يمنحها قدرة أكبر على الصمود أمام أي اضطرابات تصيب نقاط الاختناق الإقليمية.

وهذا يشير إلى تحول مهم في مفهوم المشروع: من مسار ثابت إلى شبكة إقليمية موزعة.

في المقابل، تمتلك إسرائيل والهند بالفعل نقاط قوة متكاملة لا تعتمد على وجود خط حديدي يعبر الأردن.

فإسرائيل بنت قدرات تحظى باعتراف دولي في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتقنيات المياه والتكنولوجيا الدفاعية والزراعة والتقنيات العميقة. أما الهند فتملك عنصر الحجم: سوقاً محلية ضخمة، واقتصاداً رقمياً سريع النمو، وقوة عاملة تقنية واسعة، وطموحات متصاعدة في مجال التصنيع.

وقد حددت حكومتا البلدين هذه التكاملية بصورة واضحة خلال زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى إسرائيل في فبراير 2026.

ودعا البيان المشترك إلى توسيع التعاون في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وأشباه الموصلات والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية والزراعة وإدارة المياه والدفاع والفضاء. كما اتفق الطرفان على تعميق التعاون في الذكاء الاصطناعي، وإنشاء مركز هندي إسرائيلي للتميز في الأمن السيبراني داخل الهند، وبحث آليات لتسهيل الأبحاث المشتركة واختبار التقنيات وتنفيذ المشاريع التجريبية.

فالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وأشباه الموصلات والحوسبة الكمية باتت تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها بنية تحتية استراتيجية. فهي لا تحدد القدرة التنافسية التجارية فحسب، بل تؤثر أيضاً في الصمود الوطني والقدرات العسكرية والسيادة التكنولوجية.

وفي الوقت نفسه، تستثمر الهند بكثافة في بناء منظومتها التكنولوجية الخاصة. وتعمل مبادرة IndiaAI Mission على توسيع قدرات الحوسبة المحلية، فيما تهدف استراتيجية البلاد لأشباه الموصلات إلى بناء قدرات تشمل تصميم الرقائق وتصنيعها وتغليفها والبنى التحتية المرتبطة بها. وفي سبتمبر 2026، أعلنت الحكومة الهندية المرحلة التالية من برنامج أشباه الموصلات، بميزانية تبلغ 1.275 تريليون روبية ضمن برنامج Semicon 2.0.

وتستطيع إسرائيل أن تقدم تقنيات كثيفة البحث، وشركات ناشئة، وحقوق ملكية فكرية وخبرات متخصصة. أما الهند فتستطيع توفير القدرة التصنيعية، والمهارات الهندسية، والوصول إلى الأسواق، والحجم اللازم لتحويل هذه التقنيات إلى منتجات واسعة الانتشار.

وتضيف السعودية والإمارات بُعداً ثالثاً إلى هذه المعادلة.

فالخليج يمتلك رأس المال والطاقة والبنية التحتية اللوجستية، إلى جانب طموحات متزايدة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. والإمارات تحديداً تعمل على ترسيخ أبوظبي ودبي كمركزين إقليميين لمراكز البيانات، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية السحابية، والأعمال الدولية.

وهنا تبرز إمكانية بناء منظومة ثلاثية الأضلاع.

إسرائيل تقدم التخصص التكنولوجي. والهند تقدم الحجم والقدرة التصنيعية. أما الخليج فيوفر رأس المال والبنية التحتية والطاقة والوصول إلى الأسواق الدولية.

وهذا النموذج لا يحتاج إلى أن تكون جميع عناصر IMEC جاهزة للعمل.

فالربط الرقمي لا يتطلب زوال الحدود السياسية بالطريقة نفسها التي تحتاج إليها مشاريع البنية التحتية المادية. كما أنه لا يحتاج إلى المستوى نفسه من الظهور العلني. ويمكن للبنية السحابية ومراكز البيانات وخدمات الأمن السيبراني وشراكات أبحاث الذكاء الاصطناعي وسلاسل توريد أشباه الموصلات أن تتوسع تدريجياً، حتى حين يظل التطبيع الدبلوماسي صعباً سياسياً.

وتقدم العلاقة الهندية الإسرائيلية مثالاً واضحاً على ذلك. ففي فبراير 2026، سلط مسؤولون من البلدين الضوء على مجالات تعاون تمتد من الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني إلى التقنيات الكمية وإدارة المياه والتكنولوجيا الزراعية والفضاء.

كما يعمل البلدان على تحويل هذا التعاون إلى إطار مؤسسي بدلاً من الاعتماد حصراً على اتفاقات تجارية منفردة. وتشمل منظومتهما الثنائية برامج بحثية مشتركة وآليات للبحث والتطوير الصناعي ومبادرات جديدة تهدف إلى ربط الباحثين والشركات والمنظومات التكنولوجية في البلدين.

والنتيجة هي شكل من أشكال الربط أقل ظهوراً من السكك الحديدية، لكنه قد يكون أكثر قابلية للتوسع.

مع ذلك، فإن إنشاء ممر حقيقي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا عبر إسرائيل يظل مشروطاً بالاستقرار السياسي على طول الطريق. فالسعودية لا تزال عنصراً لا غنى عنه في جغرافيا المشروع، فيما تبقى القضية الفلسطينية في صلب حسابات الرياض.

ويعكس استطلاع معهد واشنطن لعام 2025 حجم هذه الصعوبة، إذ أظهر تراجعاً كبيراً في المواقف السعودية المؤيدة للتطبيع، رغم بقاء قدر من الانفتاح على العلاقات التجارية مع إسرائيل.

لكن الشركات تستطيع التعاون قبل أن تقيم الحكومات علاقات دبلوماسية كاملة. ويمكن لرأس المال أن يتحرك عبر المراكز المالية الدولية. كما تستطيع الشراكات التكنولوجية العمل من خلال دول ثالثة، فيما يمكن للتعاون البحثي أن يستمر حتى عندما تكون العلاقات السياسية مجمدة.

وهذا يفتح الباب أمام تكامل تدريجي تقوده المصالح التجارية، ولا يتوقف بالضرورة على حدوث اختراق سياسي فوري.

لكنه يعني أيضاً أن الرؤية الأصلية لـIMEC قد تحتاج إلى مسارين زمنيين مختلفين.

فالمنطق الاستراتيجي الذي استند إليه المشروع أصبح، على الأرجح، أقوى مما كان عليه في 2023.

هجمات البحر الأحمر، والصراعات الإقليمية المتكررة، والاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز، كلها أظهرت هشاشة الاعتماد على عدد محدود من طرق التجارة. ومن شأن شبكة بديلة تربط الهند بالخليج والبحر المتوسط أن تتيح خيارات إضافية لنقل السلع والطاقة والبيانات. وقد رأى المجلس الأطلسي أن شبكة ممرات أكثر تنوعاً يمكن أن تؤدي تحديداً وظيفة تعزيز المرونة في مواجهة الاضطرابات.

لكن المفارقة أن عدم الاستقرار نفسه الذي قوّى الحجة الاقتصادية لصالح IMEC أضعف الشروط السياسية اللازمة لتنفيذه.

وبدلاً من أن يختفي المشروع، قد يتحول تدريجياً من فكرة تقوم على خط حديدي واحد إلى بنية إقليمية أوسع للربط، تضم الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الطاقة والألياف الضوئية ومراكز البيانات ومنصات الاستثمار والشراكات التكنولوجية.

لم يعد السؤال ببساطة هو ما إذا كان بالإمكان ربط نقاط القوة الثلاث هذه بخط سكة حديدية. السؤال الأهم هو ما إذا كان يمكن دمجها داخل منظومة تكنولوجية واقتصادية واحدة قبل أن تسمح الجغرافيا السياسية باستكمال الممر المادي.

وإذا حدث ذلك، فقد يكون مشروع الربط الكبير المقبل في الشرق الأوسط قد بدأ بالفعل في التشكل، لكن ليس على خرائط خطوط السكك الحديدية، بل داخل البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.