كارولين هايات
لعقود، قامت البنية الأمنية في الشرق الأوسط على افتراض بسيط نسبياً: عندما تصبح التوترات الإقليمية خطيرة إلى حد كبير، ستتدخل واشنطن في نهاية المطاف.
هذا الافتراض بدأ يتغير.
من السعودية وتركيا إلى باكستان ودول الخليج، بدأت قوى إقليمية ببناء شبكاتها الأمنية الخاصة، في مؤشر على أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة لا يختفي، لكنه يُعاد تشكيله من الداخل.
أوضح إشارة إلى هذا التحول جاءت في 7 أغسطس، عندما وقعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك». ويتضمن الاتفاق بنداً للدفاع الجماعي، يعتبر الهجوم على أي دولة عضواً هجوماً على الدول الثلاث. ورغم أن الالتزامات العسكرية الدقيقة تُركت غامضة عمداً، فإن الدلالة السياسية للاتفاق يصعب تجاهلها.
هذه ليست نسخة شرق أوسطية من حلف الناتو، على الأقل حتى الآن. كما أنها لا تعني أن السعودية أو تركيا أو باكستان تتخلى عن علاقاتها القائمة مع الولايات المتحدة.
لكنها تكشف عن تحول أكثر أهمية: القوى الإقليمية تستعد لشرق أوسط لم يعد بإمكانها فيه افتراض أن واشنطن ستوفر دائماً الضمانة الأمنية الأخيرة.
هذا التحول لم يبدأ فجأة.
في مارس، بدأ وزراء خارجية مصر وباكستان والسعودية وتركيا العمل على إطار أوسع للتعاون الإقليمي. ومنذ ذلك الحين، واصلت الدول الأربع مشاوراتها، في انعكاس لرغبة متزايدة لدى القوى الإقليمية في تنسيق مصالحها، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع القرارات الصادرة من واشنطن.
المنطق وراء هذه الشبكة الناشئة واضح. دول الخليج شاهدت الصواريخ والمسيّرات تعبر المنطقة، فيما كشفت الحرب مع إيران نقاط ضعف الدول التي اعتمدت تقليدياً وبدرجة كبيرة على الحماية الخارجية.
وبالنسبة للسعودية تحديداً، هناك أسباب قوية لتنويع شراكاتها الأمنية.
الرياض لا تريد الاختيار بين واشنطن وبكين وأنقرة وإسلام آباد. ما تريده هو امتلاك أوراق قوة مع الجميع.
تركيا تملك واحداً من أكبر جيوش الناتو، إلى جانب صناعة دفاعية تزداد تطوراً. وباكستان تملك جيشاً كبيراً وردعاً نووياً. أما السعودية فتملك القوة المالية والموقع الاستراتيجي والنفوذ في العالمين العربي والإسلامي.
اجتماع هذه العناصر يصنع معادلة استراتيجية مختلفة.
بالنسبة لإسرائيل، تبدو المسألة أكثر إلحاحاً.
قدم دونالد ترامب نفسه مراراً باعتباره الضامن الأكبر لأمن إسرائيل. ومع تجدد التوتر مع إيران الأسبوع الماضي، سعى إلى طمأنة الإسرائيليين مباشرة، قائلاً لهيئة البث الإسرائيلية «كان»: «على إسرائيل ألا تقلق. أتعرفون لماذا؟ لأنني الرئيس وسأتولى أمر إسرائيل».
هذه الكلمات تحمل وزناً كبيراً بالنسبة لإسرائيل اليوم، لكنها تكشف أيضاً نقطة ضعف استراتيجية: ترامب لن يبقى رئيساً إلى الأبد.
ولايته الثانية محددة دستورياً بأربع سنوات، فيما لا يزال سباق خلافته في 2028 مفتوحاً. ولم يعلن ترامب تأييده لخليفة، بينما يجري تداول أسماء جمهورية محتملة، بينها نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو.
هذه الضبابية يجب أن تدخل في حسابات المخططين الاستراتيجيين الإسرائيليين.
لا تستطيع إسرائيل بناء عقيدتها الأمنية طويلة الأمد على افتراض أن الرئيس الأميركي المقبل سيحمل رؤية ترامب نفسها، أو أولوياته ذاتها، أو استعداده نفسه لمواجهة إيران.
لذلك، السؤال ليس ما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تبقى أقرب حلفاء الولايات المتحدة. ينبغي لها ذلك.
السؤال هو ما إذا كان عليها الاستعداد لاحتمال ألا تتدخل الولايات المتحدة بالطريقة نفسها في مواجهة مستقبلية مع إيران، أو ألا تتدخل إطلاقاً.
هذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستصبح معزولة. لكنه يعني أن عليها تطوير قدرات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية أكبر، تسمح لها بالتحرك بصورة مستقلة عندما تصبح مصالحها الأمنية الأساسية مهددة.
وتزداد أهمية ذلك مع بدء واشنطن نفسها التفكير في شكل الشرق الأوسط بعد الصراع الحالي. وبحسب تقارير، تعمل إدارة ترامب على استراتيجية لما بعد الحرب تستهدف احتواء إيران ودفع مسار التطبيع بين إسرائيل وجيرانها. لكن الخطة مصممة لما تبقى من رئاسة ترامب، وسيكون على الإدارة التي ستخلفه إعادة تقييمها.
لذلك، ربما لا يتجه الشرق الأوسط نحو نظام «ما بعد أميركا».
الأدق أنه يتجه نحو نظام «ما بعد الاحتكار»؛ تبقى فيه واشنطن أقوى لاعب خارجي، لكنها لا تعود اللاعب الوحيد القادر على تشكيل الأمن الإقليمي.
بالنسبة لإسرائيل، يعني ذلك الاستعداد لحقيقتين في وقت واحد: أميركا لا غنى عنها اليوم، لكن التزام أميركا مستقبلاً لا يمكن اعتباره مضموناً.
التحدي الاستراتيجي أمام إسرائيل ليس التخلي عن واشنطن.
بل ضمان أنها، إذا قالت واشنطن يوماً: «ليس هذه المرة»، ستظل قادرة على الدفاع عن نفسها.