EN

الإمارات وإسرائيل: ليست العلاقة بحد ذاتها هي الهدف…

د. الرحمن الظاهري

حين أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 2020، لم يكن الرهان مجرد فتح سفارات أو توسيع التجارة والاستثمار. كان القرار جزءاً من رؤية أوسع لموقع الإمارات في منطقة تتغير أدوات القوة فيها؛ فالدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا والأمن باتت تعمل معاً، ولم يعد النفوذ يُقاس بالقوة العسكرية وحدها.

لكن ما جرى منذ ذلك الحين، وخصوصاً بعد حرب غزة في أكتوبر 2023، أظهر أن العلاقة مع إسرائيل لا يمكن عزلها عن محيطها العربي. فقيمتها بالنسبة إلى أبوظبي لا تتوقف عند حجم التبادل التجاري أو التعاون الثنائي، بل عند ما تمنحه من قدرة على التواصل والتأثير في ملفات يصعب الاقتراب منها من الخارج.

الإمارات لم تدخل هذه العلاقة كي تصبح جزءاً من محور إسرائيلي في المنطقة. وهذه نقطة ضرورية لفهم سياستها الخارجية.

ففي الوقت الذي طورت فيه علاقاتها مع إسرائيل، أبقت أبوظبي قنواتها مفتوحة مع إيران، ووسعت شراكاتها مع تركيا والهند والصين وأوروبا، وحافظت على علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، من دون أن تغادر الإطار الخليجي والعربي.

إنها، باختصار، سياسة تعدد الشراكات لا سياسة المحاور.

ومن هنا يمكن قراءة العلاقة مع إسرائيل. هناك مصالح اقتصادية وتكنولوجية وأمنية واضحة، لكن المكسب السياسي الأوسع يكمن في امتلاك قناة مباشرة مع طرف حاضر في أكثر ملفات المنطقة حساسية. فبدلاً من انتظار نتائج الأزمات، تريد أبوظبي أن تملك مقعداً قريباً من طاولاتها.

ثم جاءت غزة ورفعت كلفة هذه المعادلة.

فاستمرار الحرب، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، والخلاف العربي والدولي حول مستقبل القطاع والدولة الفلسطينية، جعل العلاقة مع إسرائيل أكثر حساسية سياسياً. وأصبحت الإمارات أمام اختبار دقيق: كيف تحافظ على العلاقة من دون أن تتحول هذه العلاقة إلى عنوان لسياستها العربية؟

هنا يجب التمييز بين التطبيع وبين تبني سياسات الحكومة الإسرائيلية.

وجود العلاقات الدبلوماسية لا يعني تطابق المواقف. تستطيع أبوظبي أن تتعامل مع إسرائيل، وأن تختلف معها في الوقت نفسه بشأن غزة والاستيطان والدولة الفلسطينية وشكل النظام الإقليمي المقبل. بل إن منطق العلاقة، من وجهة النظر الإماراتية، يقوم أساساً على أن القناة المفتوحة تمنح قدرة على الحديث والتأثير لا تملكها الدول التي لا ترتبط بإسرائيل بعلاقات مباشرة.

لكن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: هل ستستمر العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية؟

الأهم هو: ما نوع المنطقة التي تريد الإمارات أن تكون جزءاً من بنائها؟

يمكن قراءة السياسة الإماراتية خلال السنوات الأخيرة باعتبارها محاولة لبناء إقليم أقل اعتماداً على الصراعات المفتوحة، وأكثر اتصالاً عبر الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية والمصالح المتبادلة. لذلك تتقاطع أولويات أبوظبي عند أمن الخليج، والملاحة الدولية، والاستقرار الاقتصادي، ومواجهة التنظيمات المسلحة، مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً حتى مع الخصوم.

ضمن هذه الرؤية، إسرائيل جزء من المعادلة، لكنها ليست المعادلة كلها.

فالإمارات لا تستطيع بناء نفوذها على علاقة واحدة أو عاصمة واحدة. جزء كبير من وزنها السياسي يأتي تحديداً من قدرتها على التحرك بين دوائر تبدو أحياناً متعارضة: واشنطن وبكين، طهران وتل أبيب، الخليج وآسيا، والأسواق الغربية والاقتصادات الناشئة.

هذه القدرة على الوقوف عند تقاطع الطرق، لا على طرف أحدها، هي ما يمنح السياسة الإماراتية مساحة أوسع من حجم الدولة الجغرافي والديموغرافي.

لذلك يبدو الرهان الإماراتي أكبر من التطبيع نفسه. الرهان هو تحويل شبكة العلاقات إلى نفوذ، وتحويل النفوذ إلى قدرة على المشاركة في تشكيل التوازنات الجديدة، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف معها بعد وقوعها.

لكن القضية الفلسطينية ستظل الاختبار الأصعب لهذا التصور.

فإذا بقي الصراع مفتوحاً واستمرت غزة جرحاً سياسياً وإنسانياً، ستظل العلاقات مع إسرائيل تحمل كلفة على أي دولة عربية أقامت معها علاقات طبيعية. أما إذا نشأ مسار سياسي جدي يفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة، وترتيبات أمنية جديدة، وأفق فعلي للدولة الفلسطينية، فقد تصبح العلاقات العربية–الإسرائيلية جزءاً من بنية إقليمية أوسع، لا مجرد اتفاقات ثنائية منفصلة.

وهنا يقع جوهر الرهان الإماراتي.

أبوظبي لا تريد أن تختار بين إسرائيل ومحيطها العربي، ولا أن تحصر سياستها في محور واحد. ما تريده هو هامش حركة يسمح لها بالتعامل مع الجميع، والاختلاف مع الجميع عند الضرورة، والبقاء حاضرة حين تُعاد صياغة قواعد المنطقة.

العلاقة مع إسرائيل، بهذا المعنى، ليست نهاية المشروع الإقليمي الإماراتي.

إنها أداة من أدواته.