د. عبد الرحمن الظاهري
في الإمارات، لا يحتاج المرء إلى وقت طويل ليدرك حجم التنوع الذي يميز المجتمع. أكثر من 200 جنسية تعيش وتعمل في دولة واحدة، وتشارك في اقتصادها وحياتها اليومية. هذا التنوع ليس ظاهرة عابرة، بل جزء من قصة الإمارات نفسها، ومن نموذجها الذي قام على الانفتاح والتجارة والعمل والتواصل مع العالم.
لكن الانفتاح، مهما كان مصدر قوة، يحتاج إلى حماية.
السؤال هنا ليس ما إذا كان التنوع يمثل خطرًا، لأنه ليس كذلك. السؤال الحقيقي هو: كيف نحافظ على مجتمع منفتح ومتعدد، من دون أن نسمح لأحد باستغلال هذا الانفتاح لنشر التطرف أو الكراهية أو العنف؟
الإجابة تبدأ من قاعدة بسيطة: الإرهاب لا جنسية له، والتطرف لا ينتمي إلى ثقافة بعينها. لذلك يجب أن يكون التعامل مع الخطر قائمًا على السلوك والأدلة والقانون، لا على جنسية الإنسان أو دينه أو خلفيته.
وهذه نقطة مهمة في مجتمع مثل الإمارات. فحين يعيش هذا العدد الكبير من الجنسيات في مكان واحد، فإن تحويل الاختلاف إلى مصدر للشك سيكون خطأً أكبر من المشكلة التي نحاول مواجهتها. الأمن الحقيقي لا يقوم على الاشتباه في المختلف، بل على معرفة أين يوجد الخطر والتعامل معه قبل أن يتحول إلى جريمة.
التحدي أصبح أكثر تعقيدًا لأن التطرف لم يعد يبدأ بالضرورة في الشارع. يمكن أن يبدأ من هاتف محمول، أو حساب مجهول، أو مقطع قصير، أو خطاب يبدو في بدايته مجرد رأي، قبل أن يتحول إلى تحريض أو تجنيد أو تبرير للعنف.
لهذا لم تعد مواجهة التطرف مسألة أمنية فقط. المدرسة والأسرة والإعلام ومكان العمل والمنصات الرقمية كلها أصبحت جزءًا من منظومة الوقاية. المطلوب ليس فقط حذف المحتوى المتطرف بعد ظهوره، بل فهم كيف يصل إلى الناس، ولماذا ينجح أحيانًا في استقطاب بعضهم، وكيف يمكن إيقاف هذا المسار قبل أن يصل إلى العنف.
وفي المقابل، يجب ألا يتحول الأمن إلى شك دائم في المجتمع. من الطبيعي أن تكون هناك إجراءات دقيقة تتعلق بالهوية وحركة الأموال ودخول الدولة وخروجها، لكن هذه الإجراءات تصبح أكثر فاعلية عندما تستند إلى المعلومات والتحليل والتعاون، لا إلى الانطباعات العامة.
المسؤولية في النهاية فردية. إذا ارتكب شخص جريمة، فهو يحاسب على فعلته. لا يمكن أن تتحول جريمة فرد إلى حكم على جنسية كاملة أو مجتمع كامل.
وهنا يرتبط الأمن بالتعايش بشكل مباشر.
في مجتمع متعدد الجنسيات، احترام الاختلاف ليس مجرد قيمة اجتماعية جميلة، بل أحد شروط الاستقرار. عندما يعرف الناس أن القانون يحميهم، وأن الاختلاف في الدين أو الثقافة أو اللغة لا يجعلهم موضع اتهام، تصبح محاولات نشر الكراهية والانقسام أقل قدرة على التأثير.
وفي المقابل، فإن الخطاب الذي يقسم الناس إلى جماعات متصارعة يمكن أن يوفر بيئة مناسبة للتطرف، خصوصًا عندما يستغل مشاعر الغضب أو العزلة أو الإحساس بالظلم.
لذلك فإن حماية التعايش ليست رسالة موجهة إلى الخارج فقط. إنها أيضًا جزء من حماية الداخل.
الإمارات أمام مسؤولية خاصة في هذا المجال. فالدولة منفتحة على حركة واسعة من الأشخاص والشركات والاستثمارات والأفكار. وهذا الانفتاح منحها موقعًا اقتصاديًا عالميًا، لكنه يعني في الوقت نفسه أن عليها أن تظل يقظة تجاه من يحاول استغلال هذه البيئة لأهداف غير مشروعة.
الحل ليس في تقليل الانفتاح، ولا في النظر إلى التنوع باعتباره عبئًا أمنيًا. الحل في إدارة الانفتاح بشكل أفضل: قوانين واضحة، مؤسسات أمنية فعالة، رقابة على مصادر التمويل غير المشروع، تعاون دولي، ووعي مجتمعي يرفض التطرف من دون أن يرفض الآخر.
هذه هي المعادلة التي تستحق الحفاظ عليها.
الإمارات تستطيع أن تكون دولة مفتوحة من دون أن تكون ساذجة، ودولة آمنة من دون أن تكون منغلقة، ومجتمعًا متنوعًا من دون أن تسمح بتحويل هذا التنوع إلى ساحة للكراهية.
وفي النهاية، أقوى حماية للنموذج الإماراتي ليست في إغلاق الأبواب، بل في معرفة من يدخلها، وما الذي يحدث داخلها، وتطبيق القانون بوضوح وعدالة على الجميع.
الانفتاح قوة، والتنوع قوة، لكنهما يحتاجان إلى دولة يقظة ومجتمع متماسك وقانون لا يفرق بين الناس عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية عن الفعل.
وهذه، في جوهرها، هي المعادلة الإماراتية: نفتح أبوابنا للعالم، لكننا لا نفتح أبوابنا للإرهاب.