أحمد كاوه
للقوة العظمى لحظة محرجة لا تظهر عندما يعصيها خصم صغير، بل عندما تعرف كيف تعاقب خصماً كبيراً ثم تتردد في استخدام العقوبة.
هذه، إلى حد بعيد، هي المعضلة الأميركية مع الصين اليوم.
تستطيع واشنطن أن تفرض عقوبات على بنك في الشرق الأوسط، أو شركة في تركيا، أو شبكة مالية في الإمارات، وأن تجعل الاقتراب من إيران مكلفاً على دول تعتمد بدرجات متفاوتة على الدولار والسوق الأميركية. لكن المشهد يتغير عندما يصل الطريق إلى بكين. هناك لا تختفي القوة الأميركية، وإنما يظهر سعر استخدامها.
المفارقة أن الولايات المتحدة بنت جزءاً كبيراً من نفوذها بعد الحرب العالمية الثانية على شبكة عالمية جعلت الدولار والمصارف والتكنولوجيا الأميركية أشبه بالشرايين التي تمر عبرها التجارة الدولية. ومع مرور العقود، تحولت هذه البنية من ميزة اقتصادية إلى أداة سياسية. ومن هنا جاء ما وصفه الباحثان هنري فاريل وأبراهام نيومان لاحقاً بـ«الاعتماد المتبادل المسلّح»: من يسيطر على العقد الرئيسية في الشبكات العالمية يستطيع استخدامها للإكراه، لا للتجارة فقط.
لكن لكل شبكة عقداً مضادة.
الصين فهمت الدرس الأميركي جيداً. وإذا كانت واشنطن تمسك بجزء كبير من النظام المالي والتكنولوجيا المتقدمة، فإن بكين راكمت خلال العقود الأخيرة سيطرة على أجزاء يصعب الاستغناء عنها من الاقتصاد المادي: المعادن النادرة، المعالجة الصناعية، سلاسل التوريد، وقدرات تصنيع أخذت تتقدم حتى تحت القيود الأميركية.
ولهذا تحمل المواجهة الحالية مفارقة تاريخية لافتة.
في 1973 اكتشفت الولايات المتحدة، وهي في ذروة قوتها العالمية، أن تفوقها العسكري والمالي لم يكن كافياً لإلغاء ضعفها أمام النفط. استخدم المنتجون العرب الطاقة أداة ضغط، ووجدت واشنطن نفسها أمام حقيقة قاسية: الدولة الأقوى في النظام الدولي قد تكون ضعيفة في مادة واحدة إذا لم تملك بديلاً عنها. وتقول وثائق وزارة الخارجية الأميركية إن الحظر كشف اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على النفط المستورد وقلّص حركتها السياسية في لحظة حساسة.
بعد أكثر من نصف قرن، تغيرت السلعة ولم تتغير القاعدة كثيراً.
لم تعد المشكلة برميل النفط وحده، بل مغناطيساً يدخل في محرك، أو معدناً نادراً في صاروخ، أو مادة في مصنع للرقائق. الصين تسيطر اليوم على ما يصل إلى 70% من تعدين المعادن النادرة عالمياً وأكثر من 85% من عمليات تكريرها وإنتاجها، وفق رويترز. وقد تحولت القيود الصينية على بعض هذه المواد إلى عامل تحسب له إدارة ترامب حساباً في صراعها التجاري والتكنولوجي مع بكين.
هنا يصبح سؤال إيران أكثر إثارة للاهتمام.
الإدارة الأميركية تريد خنق قدرة طهران على بيع النفط والحصول على الأموال والمكونات التي تستخدمها في برامجها العسكرية. وتقول وزارة الخزانة إن الصين تشتري قرابة 90% من صادرات النفط الإيراني، فيما استهدفت واشنطن بالفعل مصافي وشركات وأفراداً في الصين وهونغ كونغ على صلة بتجارة النفط أو مشتريات عسكرية إيرانية.
لكن ثمة فارق بين معاقبة شركات صينية وبين الدخول في اختبار قوة اقتصادي مع الصين نفسها.
لو كانت المسألة مجرد تطبيق حرفي للعقوبات، لكان منطق «الضغط الأقصى» بسيطاً: من يشتري النفط الإيراني يُعاقب، أياً كان. لكن السياسة الدولية ليست محكمة تجارية. إنها حساب للقوة والكلفة والرد.
وهنا يحضر توماس شيلينغ، أحد أهم منظّري الإكراه الاستراتيجي في القرن العشرين. فالقوة، في منطقه، لا تقاس فقط بالقدرة على إلحاق الألم، بل بتحويل تلك القدرة إلى مساومة سياسية. المشكلة تبدأ عندما يكون الطرف الآخر قادراً هو أيضاً على إيلامك.
الصين تستطيع أن تتلقى ضربة أميركية، لكنها تستطيع كذلك الرد في المكان الذي يؤلم الصناعة الأميركية. ولهذا أصبحت المعادن الحرجة جزءاً من التفاوض نفسه، لا مجرد ملف تجاري هامشي. وقبيل لقاء ترامب وشي جين بينغ في سبتمبر، أفادت رويترز بأن العقوبات المرتبطة بتجارة الصين مع إيران وروسيا، والوصول إلى المعادن النادرة، أصبحت بين أوراق المساومة بين الطرفين.
وهذه ربما هي النقطة التي تغير معنى «التفوق الأميركي».
خلال التسعينيات وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتادت واشنطن على عالم تستطيع فيه استخدام العقوبة الاقتصادية ضد دول كثيرة من دون الخوف من رد اقتصادي موازٍ بالحجم نفسه. كان الاختلال هائلاً: الولايات المتحدة تستطيع حرمانك من السوق والتمويل والتكنولوجيا، بينما لا تملك أنت سلعة أو شبكة تستطيع بها الضغط على الاقتصاد الأميركي.
الصين كسرت جانباً من هذه المعادلة.
ليست أقوى من الولايات المتحدة بكل المقاييس، وليست محصنة من العقوبات، كما أنها تعتمد بدورها على أسواق وتكنولوجيات ورؤوس أموال خارجية. لكن العلاقة لم تعد علاقة دولة تملك المفتاح وأخرى تنتظر فتح الباب. إنها أقرب إلى غرفتين، وفي كل واحدة منهما صمام يمكن أن يخنق شيئاً يحتاجه الطرف الآخر.
وهذا ما يجعل إيران اختباراً مهماً.
واشنطن تضغط على الاقتصادات المتوسطة والصغيرة كي تقلص علاقاتها بطهران، بينما تبدو أكثر حذراً عندما يصبح تنفيذ المنطق نفسه سبباً لمواجهة مباشرة مع بكين. وفي الوقت نفسه تستمر قنوات الاتصال الأميركية مع الإيرانيين عندما ترى الإدارة فيها فائدة سياسية. لا توجد في ذلك مفارقة أخلاقية بقدر ما توجد قاعدة قديمة في السياسة: الدولة الكبرى تطلب من الآخرين الالتزام بما يخدم استراتيجيتها، بينما تحتفظ لنفسها بمساحة الاستثناء والمناورة.
المشكلة أن هذه القاعدة تعمل فقط ما دامت الدولة قادرة على فرض ثمن الاستثناء على الآخرين.
أما مع الصين، فالأمر أصعب.
وربما لهذا تكتسب المعلومات الأميركية المتكررة عن الروابط الصينية مع الاقتصاد والقدرات العسكرية الإيرانية قيمة تتجاوز الاستخبارات نفسها. فإذا كان إجبار بكين مباشرة بالغ الكلفة، يصبح رفع الكلفة السياسية لعلاقتها بطهران مساراً بديلاً: دفع دول الخليج وأوروبا وآسيا إلى النظر إلى التجارة الصينية مع إيران بوصفها قضية أمن، وليس مجرد نفط ومكونات وعقود.
بعبارة أخرى، عندما تصبح القوة الثنائية محدودة، تبدأ الإمبراطورية في البحث عن التحالف.
وهنا تعود مفارقة 1973 بصورة أخرى. آنذاك دفعت أزمة النفط واشنطن إلى البحث عن تنسيق بين الدول المستهلكة وبناء مؤسسات وترتيبات تقلل هشاشتها أمام المنتجين. واليوم قد تدفع المعادن النادرة وسلاسل التوريد الولايات المتحدة إلى الاستراتيجية نفسها: تحويل مشكلة الاعتماد على الصين من مشكلة أميركية إلى مشكلة جماعية.
لذلك فإن السؤال ليس: هل ما زالت أميركا قوية؟
بالتأكيد ما زالت تملك أدوات لا يملكها أي طرف آخر مجتمعة: الدولار، النظام المالي، التكنولوجيا، التحالفات، القوة العسكرية والأسواق.
السؤال الأكثر أهمية هو: كم أصبحت تكلفة استخدام هذه القوة؟
الإمبراطوريات لا تبدأ بفقدان قوتها حين يعجز جيشها عن الحركة أو تنهار عملتها. أحياناً تبدأ الحدود بالظهور قبل ذلك بكثير: عندما يظل السلاح في اليد، لكن صاحبه يجد أن الضغط على الزناد سيصيبه بشظايا الانفجار.
وهذه تحديداً هي المساحة التي تحاول الصين توسيعها.