د. عبد الرحمن الطاهري
تعيش المنطقة مفارقة تتكرر كلما اقتربت الأزمات من لحظة الحسم: خطاب دبلوماسي يتصاعد بالتوازي مع استمرار القصف والتهديد بالقوة. طهران وواشنطن تتحدثان عن التفاوض، لكن التحركات الميدانية، خصوصاً حول مضيق هرمز، ترسم صورة مواجهة مفتوحة لم تصل بعد إلى نقطة التسوية.
عندما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن بلاده «لن تستسلم»، وأكد في الوقت نفسه تمسكها بالدبلوماسية، كان يرسم حدود الموقف الإيراني أكثر مما يطرح مبادرة سلام. الرسالة تجمع بين تثبيت صورة الصمود داخلياً، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً خارجياً، من دون تقديم التراجع باعتباره شرطاً مسبقاً للحوار.
واشنطن تستخدم المعادلة نفسها من الجهة المقابلة. وزير الخارجية ماركو روبيو وصف المحادثات بأنها جهد شاق يحتاج إلى وقت، لكنه أعاد التذكير بأن الخيارات العسكرية للرئيس دونالد ترامب ما تزال قائمة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. بذلك يصبح التفاوض الأميركي مرتبطاً بالردع، في ظل انعدام ثقة عمقته الاتهامات السابقة المتعلقة بخرق مذكرة التفاهم التي لم تصمد طويلاً.
المشهد ازداد تعقيداً مع طرح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي 7 شروط تسبق أي مفاوضات مقبلة، ونقلها عبر وساطات إقليمية في قطر وباكستان إلى مكتب ترامب. رفع سقف المطالب يمنح طهران مساحة أكبر للمساومة، لكنه يرفع أيضاً كلفة الوصول إلى نقطة انطلاق مشتركة.
داخل إيران، لا يصدر خطاب واحد. فبينما تتمسك الحكومة بمسار دبلوماسي، رفض المتحدث باسم الحرس الثوري محاولات التواصل الأميركية، مؤكداً أن الرد سيبقى عسكرياً ما دام العداء مستمراً، وأن التفاوض من اختصاص وزارة الخارجية. هذا التباين قد يكون توزيعاً للأدوار، لكنه يعكس أيضاً تعدد مراكز القرار التي تؤثر في إدارة المواجهة.
المشكلة لم تعد نووية فقط. مضيق هرمز أصبح جزءاً مباشراً من أي تسوية محتملة، مع تداول جهود فرنسية لصياغة قرار في مجلس الأمن يهدف إلى إعادة فتحه أمام الملاحة الدولية.
ما يجري، إذاً، هو تفاوض تحت النار أكثر منه مساراً نحو انفراج سريع. طهران تريد حماية موقعها من دون الظهور بمظهر المتراجع، وواشنطن تحاول تضييق خياراتها قبل أي اتفاق. وبين الشروط الإيرانية والتهديد العسكري الأميركي، يبقى المسار السياسي معلقاً على ما سيأتي أولاً: تفاهم يفتح باب المساومة، أم خطأ في الحسابات يدفع المواجهة إلى مستوى أخطر.