كارولين هايات
بالنسبة إلى إسرائيل، لم يعد تهديد الحوثيين مجرد مسألة صواريخ بعيدة المدى.
فالتصعيد الأخير في اليمن نقل الجماعة من كونها مصدرًا بعيدًا لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى تحدٍ أمني إقليمي متنامٍ، يربط إسرائيل والسعودية وإيران والبحر الأحمر ضمن ساحة واحدة تتداخل فيها المصالح والتهديدات بصورة متزايدة.
وربما يكون التطور الأبرز في هذا السياق هو ما أفادت به تقارير عن ظهور تعاون أمني مباشر بين إسرائيل والسعودية.
وبحسب مصادر دبلوماسية إقليمية نقل عنها موقع «واللا» و«جيروزاليم بوست»، أجرى البلدان محادثات بوساطة القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، هدفها مساعدة الرياض في مواجهة الحوثيين من خلال دعم استخباراتي.
وأفادت التقارير بأن إسرائيل شاركت معلومات استخباراتية لمساعدة السعودية على تكوين صورة أكثر دقة لانتشار الحوثيين واستباق عملياتهم المحتملة.
في المقابل، صعّد الحوثيون بصورة حادة حملتهم ضد السعودية، بالتزامن مع توسيع نفوذهم البري والبحري على امتداد الساحل اليمني للبحر الأحمر. وفي 10 سبتمبر، سيطروا على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية، قبل أن يتقدموا باتجاه مضيق باب المندب.
كما سيطروا على جزر ذات مواقع استراتيجية في البحر الأحمر، ما عزز قدرتهم على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي السبت 19 سبتمبر، بلغ التصعيد مستوى جديدًا عندما أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه السعودية، بينها هجوم استهدف الرياض.
وقالت السلطات السعودية إنها اعترضت صاروخًا باليستيًا كان يستهدف العاصمة، فيما أُحبطت هجمات أخرى على ينبع والطائف وبيش وفرسان.
وأعلن الحوثيون استهداف مواقع حساسة ومنشأة تابعة لأرامكو في ينبع، لكن الادعاء المتعلق بالمنشأة النفطية لم يخضع لتحقق مستقل.
لسنوات، كان التعامل مع الحوثيين يجري أساسًا من زاوية الحرب الأهلية اليمنية وقدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات ضد السعودية.
لكن هذه الصورة تتغير الآن.
فالتقدم الأخير للجماعة على الساحل الغربي لليمن يمنحها قدرة أكبر على الضغط على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وتعني السيطرة على المخا، إلى جانب الاستيلاء على جزر في البحر الأحمر، اقتراب الحوثيين أكثر من امتلاك القدرة على التحكم بحركة الملاحة حول باب المندب أو تعطيلها. والمضيق، الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة وشحنات الطاقة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وأي اضطراب مستمر في هذا الممر يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير مسارات سفنها، ما يعني رحلات أطول واستهلاكًا أكبر للوقود وارتفاع تكاليف التأمين وأسعار الشحن.
وتكتسب أهمية هذا الممر بعدًا إضافيًا لأن المنطقة تواجه في الوقت نفسه اضطرابات حادة حول مضيق هرمز.
والنتيجة هي احتمال تشكل نقطتي ضغط عند طرفي شبه الجزيرة العربية.
فإيران أظهرت بالفعل قدرتها على تهديد أهم ممر للطاقة في الخليج من خلال الأزمة المحيطة بهرمز، فيما يزيد الحوثيون الآن الضغط على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وبالنسبة إلى السعودية، يخلق ذلك نقطة ضعف بالغة الحساسية.
على مدى عقود، أنفقت الرياض موارد ضخمة لتطوير بنية تحتية تقلل اعتمادها على مضيق هرمز. وكان أبرز عناصر هذه الاستراتيجية خط أنابيب «شرق–غرب»، الذي ينقل الخام السعودي من مناطق الإنتاج الشرقية إلى البحر الأحمر، بما يسمح بتصديره إلى الأسواق العالمية من دون المرور عبر هرمز.
لكن تقارير إقليمية أفادت بأن هجومًا حديثًا بطائرة مسيّرة للحوثيين استهدف بنية تحتية نفطية سعودية وأسهم في توقف جزئي للنشاط على خط أنابيب النفط الرئيسي الممتد من الشرق إلى الغرب.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية واضحة.
فالسعودية أنشأت هذا المسار البديل تحديدًا لتقليل تعرضها لمخاطر ممر بحري قابل للتعطيل. لكن الحوثيين يبرهنون الآن أن البنية التحتية المصممة لتجاوز نقطة ضعف يمكن أن تتحول بدورها إلى هدف.
وازداد هذا الخطر مع الهجمات الأخيرة على ينبع، وهي مركز صناعي وطاقوي رئيسي على البحر الأحمر.
أما التداعيات الاقتصادية، فبدأت بالظهور سريعًا.
إذ تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل مع تصاعد المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة في المنطقة، وإن كانت الأسعار تتأثر أيضًا بالتطورات المحيطة بمضيق هرمز والتوتر الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
لهذا السبب، لم تعد حملة الحوثيين مشكلة عسكرية فحسب.
لقد أصبحت مشكلة أمن طاقة، وبصورة متزايدة مشكلة تمس التجارة العالمية.
وهنا يصبح البعد الإسرائيلي أكثر أهمية.
فإسرائيل واجهت خلال الصراع الإقليمي الأوسع هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة من الحوثيين. لكن التصعيد الأخير يوضح أن الجماعة باتت قادرة على تهديد إسرائيل والسعودية والبنية التحتية للطاقة والملاحة الدولية في وقت واحد.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يوفر ذلك حافزًا قويًا لتحسين قدرتها الاستخباراتية على مراقبة ما يجري في اليمن.
أما السعودية، فقد تمنحها القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية طبقة إضافية من الإنذار المبكر بشأن مواقع إطلاق الصواريخ، وانتشار القوات، وتحركات الأسلحة، والعمليات التي يجري التخطيط لها.
ولا تزال إسرائيل والسعودية من دون علاقات دبلوماسية رسمية. لكن مصالحهما تتقاطع بصورة متزايدة عند الحد من النفوذ الإقليمي لإيران، وحماية الممرات البحرية، ومنع الحوثيين من ترسيخ موقع استراتيجي دائم على البحر الأحمر.
ولا تعني الاتصالات التي تحدثت عنها التقارير قيام تحالف رسمي، كما أنها لا تعني بالضرورة اقتراب التطبيع.
لكنها توضح كيف يمكن لتهديد مشترك أن يفرض تعاونًا عمليًا حتى عندما تبقى الخلافات السياسية من دون حل.
ويبرز تقدم الحوثيين كذلك منطق الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية.
فطهران ليست مضطرة إلى مواجهة إسرائيل أو السعودية مباشرة على كل جبهة. ودعم شركاء إقليميين يمتلكون قدرات عسكرية يسمح لها بتوليد الضغط في ساحات عدة بالتزامن.
ويمنح الحوثيون إيران موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: الوصول إلى المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وهكذا تستطيع طهران التحرك عبر شبكة مترابطة من نقاط الضغط.
فحزب الله شكّل تاريخيًا ورقة ضغط على إسرائيل من الشمال، فيما تنشط جماعات متحالفة مع إيران في العراق وسوريا.
أما الحوثيون، فيوفرون نفوذًا عند البحر الأحمر والمداخل المؤدية إلى خليج عدن، إلى جانب قدرتهم على تهديد الأراضي السعودية والملاحة الدولية.
ما يتشكل هنا، إذن، ليس ساحة قتال واحدة، بل شبكة إقليمية مترابطة.
ومع ذلك، تبقى درجة السيطرة العملياتية الإيرانية على الحوثيين موضع خلاف.
فالجماعة ترتبط بعلاقة وثيقة مع طهران وتلقت دعمًا إيرانيًا، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بأهدافها السياسية والعسكرية الخاصة.
ومع ذلك، سلطت تقارير حديثة الضوء على الدعم الإيراني للحملة الحوثية بالتزامن مع توسع الجماعة على الساحل الغربي لليمن.
وتنبع حساسية البحر الأحمر من كونه يربط كبرى الاقتصادات الصناعية الآسيوية بالأسواق الأوروبية.
فاستمرار انعدام الأمن حول باب المندب يمكن أن يجبر السفن على اتخاذ مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح، مضيفًا أيامًا إلى الرحلات ومرفعًا كلفة الوقود والتشغيل.
وأي اضطراب طويل الأمد يمكن أن ينعكس على التجارة الإقليمية وسلاسل التوريد والسياحة والشحن والممرات الاقتصادية التي حاولت إسرائيل ودول الخليج تطويرها خلال السنوات الأخيرة.
لهذا لم يعد السؤال العملي محصورًا في ما إذا كانت إسرائيل والسعودية ستقيمان علاقات دبلوماسية رسمية.
السؤال الأهم هو ما إذا كان البلدان قادرين على التعاون في مواجهة تحديات أمنية محددة حتى من دون التطبيع.
وبالنسبة إلى إسرائيل، بات من الصعب بصورة متزايدة فصل التحدي الحوثي عن النظام الأمني الإقليمي الأوسع.
فالحوثيون لم يعودوا يتحركون فقط داخل حدود الحرب الأهلية اليمنية.
إنهم يؤثرون في البنية التحتية للطاقة السعودية، ويهددون الملاحة الدولية، ويضغطون على أسواق النفط العالمية، ويخلقون دوافع جديدة للتعاون الاستخباراتي بين دول لا تزال تفتقر إلى علاقات دبلوماسية رسمية.
وسلسلة التأثير واضحة: الصراع في اليمن يمكن أن يعطل الملاحة، وتعطيل الملاحة يمكن أن يرفع أسعار الطاقة، وصدمات الطاقة يمكن أن تؤثر في التضخم والنمو الاقتصادي، فيما يستطيع تهديد ينطلق من البحر الأحمر أن يدفع إسرائيل ودول الخليج نحو تنسيق أمني أوثق.
وبذلك، قد تكون الحملة الحوثية بصدد إنتاج نتيجة استراتيجية لم تكن مقصودة.
فبدل أن يبقى الصراع محصورًا داخل اليمن، بات يسهم في إعادة تشكيل البنية الأمنية للبحر الأحمر، ويدفع إسرائيل والسعودية نحو قدر أكبر من الاعتماد الأمني المتبادل، حتى مع بقاء العلاقة الدبلوماسية الرسمية بينهما من دون حسم.