د. عبد الرحمن الظاهري
لم تعد العلاقة بين إيران والحوثيين تُفهم بدقة من خلال معادلة «الداعم والوكيل». فسنوات الحرب في اليمن صنعت واقعاً أكثر تعقيداً: طهران توفر السلاح والخبرة والتكنولوجيا والدعم السياسي، لكن الحوثيين راكموا في المقابل قدرات عسكرية وسياسية منحتهم هامشاً أوسع لاتخاذ القرار وفق حساباتهم الخاصة.
هذا التحول برز بوضوح خلال تطورات سبتمبر 2026. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي والسيطرة على مواقع وموانئ وجزر استراتيجية عززا قدرتهم على الضغط على باب المندب. وتفيد تقارير بأن الدعم الإيراني، بما فيه الخبرة والتوجيه العسكري، أسهم في هذا التقدم، لكن النتيجة تجاوزت مجرد توسيع نفوذ حليف لطهران داخل اليمن.
باب المندب أصبح قلب المعادلة.
فالمضيق لا يرتبط فقط بالحرب اليمنية، بل بأمن التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. وأي تهديد مستمر للملاحة يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويضغط على حركة التجارة الدولية. ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، تزداد أهمية باب المندب باعتباره جبهة بحرية ثانية يمكن أن تتأثر مباشرة بالصراع الإقليمي.
بالنسبة إلى السعودية، لم يعد التهديد الحوثي محصوراً بالحدود الجنوبية. ففي يوليو أعلن الحوثيون ما وصفوه بحصار بحري على المملكة، قبل أن تتصاعد الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، فيما امتدت التحذيرات الجوية في سبتمبر إلى الرياض ومدن ومناطق أخرى.
هنا تتحول الجغرافيا إلى نفوذ سياسي. فكلما توسعت قدرة الحوثيين على التأثير في الساحل الغربي وباب المندب، ازدادت قدرتهم على فرض كلفة على السعودية وعلى التجارة الدولية، حتى من دون السيطرة الكاملة على المضيق أو إغلاقه.
لكن هذه القوة تطرح مشكلة على إيران نفسها.
طهران تريد الحوثيين قوة قادرة على فتح جبهة إضافية ضد خصومها، خصوصاً عندما تتعرض لضغط في الخليج. غير أن الجماعة التي تملك قرارها وقدراتها المتنامية قد تتحول من أداة يمكن حساب توقيت استخدامها إلى شريك قادر على التصعيد وفق أولوياته الخاصة.
ولهذا تختلف العلاقة عن نموذج القيادة والسيطرة المباشرة. إيران تستطيع التأثير والتسليح والتنسيق، لكنها لا تملك بالضرورة مفتاح كل قرار حوثي. وفي المقابل، يحتاج الحوثيون إلى إيران لتطوير قدراتهم، لكنهم يوظفون هذه القدرات لتحقيق أهداف يمنية وإقليمية خاصة بهم.
المهم هنا أن القيمة الاستراتيجية للحوثيين باتت تتجاوز وزنهم داخل اليمن. فإذا ثبتوا نفوذهم على الساحل الغربي، فإنهم يتحولون إلى لاعب مؤثر في أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لذلك لم يعد السؤال: هل تستخدم إيران الحوثيين؟
السؤال الأدق هو: إلى أي مدى أصبح كل طرف يستخدم الآخر؟
إيران تحصل على جبهة ضغط متقدمة بعيداً عن أراضيها، والحوثيون يحصلون على قدرات ووزن إقليمي أكبر. ومع اتساع هذه العلاقة، تصبح الحدود بين «الوكيل» و«الشريك» أقل وضوحاً. والخطر الحقيقي ليس فقط في حجم الدعم الإيراني، بل في تحول القوة الحوثية نفسها إلى قدرة مستقلة على تغيير معادلات البحر الأحمر والخليج.