كارولين هايات
يدخل الشرق الأوسط طوراً جديداً من المنافسة. فعلى مدى عقود، قيس النفوذ الإقليمي إلى حد كبير بحجم احتياطيات النفط، والقوة العسكرية، والسيطرة على المواقع الاستراتيجية. لكن هذه المعادلة تتسع اليوم لتشمل عاملاً آخر: من يملك البنية التحتية التي تُبقي الاقتصادات تعمل، من مسارات الطاقة والموانئ إلى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية.
الحرب الدائرة حول مضيق هرمز جعلت هذا التحول أكثر وضوحاً. فبالنسبة لاقتصادات الخليج، لم تعد هشاشة الاعتماد على ممر بحري واحد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبحت قضية استراتيجية.
الإمارات بدأت بالفعل العمل على تقليص هذه الهشاشة. وقال المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش إن بلاده تطور مسارات بديلة لصادراتها من الطاقة وتجارتها، لضمان ألا تصبح «رهينة» للصراع. وبعد الهجمات الصاروخية الإيرانية والضربات التي استهدفت ناقلات النفط، تملك أبوظبي سبباً مباشراً لتنويع الطرق التي تصل عبرها طاقتها وسلعها إلى الأسواق العالمية.
المنطق بسيط: في شرق الأوسط المقبل، ستكون القدرة على توفير البدائل مصدراً للقوة.
السعودية تسير في الاتجاه نفسه، لكن على نطاق أكبر بكثير. فالرياض تستثمر في الموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ضمن سعيها للانتقال من اقتصاد يعتمد أساساً على النفط إلى نموذج أكثر تنوعاً.
وبيئتها المتنامية للابتكار أصبحت جزءاً من هذه الاستراتيجية. فقد احتلت الرياض المرتبة 92 بين أبرز تجمعات الابتكار في العالم ضمن مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، وكانت المدينة الخليجية الوحيدة المدرجة في التصنيف. وتسهم الجامعات السعودية وأرامكو وسابك في منظومة تركز بصورة متزايدة على البحث العلمي وبراءات الاختراع ورأس المال الجريء والتكنولوجيا المتقدمة.
لكن السعودية أصبحت أيضاً أكثر انتقائية في توجيه أموالها.
فقد أشار صندوق الاستثمارات العامة إلى أن طموحات نيوم لا تزال قائمة، لكن التنفيذ سيتجه بصورة أكبر إلى مراحل متدرجة تحكمها الجدوى والعوائد التجارية. وهذا تحول مهم. فالسؤال لم يعد فقط إلى أي مدى يمكن للمشروع أن يكون مبهراً، بل ما إذا كان قادراً على إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة.
وقد تكون هذه هي المسألة التي ستحسم نجاح التحول الخليجي في نهاية المطاف.
الميناء يصنع تجارة. والممر اللوجستي يصنع اتصالاً. ومركز البيانات يخلق قدرة حوسبية. والمنطقة الصناعية تنتج تصنيعاً. أما منظومة الذكاء الاصطناعي فتصنع ملكية فكرية وشركات عالية القيمة.
لذلك، سيُقاس الشرق الأوسط المقبل بصورة متزايدة بما تنتجه بنيته التحتية، لا بمجرد مدى ضخامة المشاريع أو جاذبيتها البصرية.
إسرائيل تدخل التحول نفسه من زاوية مختلفة.
فقد استكمل الجيش الإسرائيلي خطط إنشاء فرع عسكري مخصص للذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، على أن يبدأ عمله مطلع ديسمبر، بحسب ما قال رئيس الأركان إيال زامير في 8 سبتمبر. وسيتولى الفرع الإشراف على القدرات الروبوتية في الجو والبر والبحر، بما يشمل أنظمة تعمل إلى جانب القوات المأهولة ومنصات قادرة على تنفيذ مهام بصورة مستقلة.
وقال زامير إن الأنظمة غير المأهولة والروبوتات والطائرات المسيّرة والاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي ستحدد ملامح حروب المستقبل.
ويشير ذلك إلى اتجاه إقليمي أوسع. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع تكنولوجي، بل أصبح جزءاً من البنية التحتية للقوة الوطنية، من الدفاع والاستخبارات إلى الخدمات اللوجستية وإدارة الطاقة والإنتاج الصناعي.
ومن هنا تنشأ مساحة تقاطع جديدة بين إسرائيل والخليج.
إسرائيل تمتلك خبرة تكنولوجية في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية. أما دول الخليج فتمتلك رأس المال وموارد الطاقة والأراضي والقدرة على تنفيذ بنى تحتية على نطاق هائل.
هذا التكامل قد يصبح واحداً من أبرز المحركات الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.
الأمر نفسه ينطبق على الموانئ وممرات التجارة. فطموحات السعودية على البحر الأحمر وشبكة الخدمات اللوجستية العالمية للإمارات تشكلان جزءاً من مسعى أوسع لبناء طرق بديلة تربط آسيا بالخليج وأفريقيا وأوروبا.
وهكذا تتجه المنطقة نحو نموذج مختلف للقوة.
سيظل النفط أساسياً، وستبقى القوة العسكرية حاسمة. لكن الدول القادرة على إبقاء الطاقة متدفقة، والبيانات متحركة، والتجارة عاملة أثناء الأزمات، ستملك ميزة استراتيجية متزايدة.
وقد لا يكون الصراع المقبل على النفوذ في الشرق الأوسط متعلقاً بمن يسيطر على المساحة الأكبر من الأرض.
بل بمن يسيطر على البنية التحتية التي يحتاج إليها الجميع.