أحمد كاوه
حين قررت إيران تحويل مضيق هرمز من ممر ملاحي دولي إلى أداة ضغط في حربها مع الولايات المتحدة، لم يكن الإغلاق متساوياً على الجميع. ظهرت سريعاً ثلاث قواعد جديدة للملاحة: سفن يُسمح لها بالمرور، وأخرى تُمنع، وثالثة تحصل على استثناءات سياسية. العراق كان أبرز أصحاب الاستثناء، لكنه، بالمفارقة، بقي أحد أكبر الخاسرين من الإغلاق.
طهران منحت عدداً من ناقلات النفط العراقية إذناً بالعبور. وبحسب رويترز، العراق هو المنتج الخليجي الوحيد الذي حصل علناً على مثل هذا الإذن الإيراني. وساعد ذلك بغداد على رفع صادراتها من نحو 1.35 مليون برميل يومياً في يوليو إلى قرابة 2.34 مليون في أغسطس. لكن هذه الأرقام لا تعني أن الأزمة انتهت: الصادرات بقيت دون مستويات ما قبل الحرب التي تجاوزت 3.3 ملايين برميل يومياً وفق بيانات تتبع السفن.
ثمن “الاستثناء” كان اقتصادياً قاسياً. شركة تسويق النفط العراقية «سومو» اضطرت، وفق رويترز، إلى عرض بعض شحنات أغسطس بخصومات تتراوح بين 25 و30 دولاراً للبرميل، فيما قُدرت تكاليف الشحن والتأمين بنحو 17 دولاراً للبرميل. أي أن العراق استطاع بيع النفط، لكنه اضطر إلى دفع ثمن المخاطر الجيوسياسية من قيمة برميله نفسه.
في الجهة الأخرى، توسع إيران قائمة السفن التي تعتبرها “غير ملتزمة” بقواعدها في المضيق إلى 56 سفينة، مع تهديدات بالغرامة أو الاحتجاز أو المصادرة. وهكذا لم يعد المرور يعتمد فقط على قواعد الملاحة، بل على قرار إيراني بشأن من يستطيع العبور ومن لا يستطيع.
المشكلة العراقية أعمق من مجرد ناقلة تحصل على تصريح أو أخرى تنتظر. اقتصاد البلاد يعتمد بصورة استثنائية على تصدير النفط من موانئ الجنوب، ولا يملك العراق بديلاً بحرياً قادراً على استيعاب الأحجام نفسها إذا تحول هرمز إلى ممر عالي المخاطر أو شبه مغلق.
والهشاشة ظهرت مجدداً عندما تعرضت ناقلة ترفع علم بنما وتحمل نحو مليوني برميل من زيت الوقود العراقي لهجوم بطائرة مسيرة داخل المياه الإقليمية العراقية، وفق رويترز. حتى النفط الذي يحصل على فرصة للخروج لم يعد بعيداً عن دائرة النار.
إيران تستطيع استخدام هرمز كورقة تفاوض. دول خليجية أخرى تملك خطوط أنابيب ومنافذ بديلة بدرجات متفاوتة. أما العراق، فيقف في الموقع الأصعب: يحتاج إلى موافقة جاره كي يعبر نفطه، ويدفع خصومات وتأميناً أعلى كي يجد مشترياً، ثم يبقى عرضة لهجوم حتى قبل أن يغادر مياهه.
الاستثناء الإيراني، لذلك، ليس امتيازاً للعراق بقدر ما هو تذكير بحجم انكشافه. هرمز قد يكون ورقة في يد طهران، لكنه بالنسبة إلى بغداد شريان اقتصادي لا تملك ترف إغلاقه