د. عبد الرحمن الظاهري
راكمت دول مجلس التعاون الخليجي، على مدى عقود، ترسانات عسكرية متقدمة، وبنت جيوشاً حديثة، وأقامت شراكات أمنية مع أقوى دول العالم. ومع كل أزمة كانت المنطقة تعبرها، كانت طبقة جديدة من القوة تضاف إلى ما سبقها، حتى أصبح الخليج اليوم واحداً من أكثر أقاليم العالم امتلاكاً للتكنولوجيا والقدرات الدفاعية الحديثة.
لكن الأزمات الأخيرة طرحت سؤالاً مختلفاً لم تعد الإجابة عنه موجودة في قوائم السلاح ولا في حجم الإنفاق الدفاعي: ماذا يحدث عندما يأتي الخطر؟ هل تتحرك هذه القوة باعتبارها قوة ست دول، أم قوة منظومة واحدة؟
هنا تبدأ المشكلة السياسية الحقيقية.
فالأزمات لا تختبر حجم القوة بقدر ما تختبر القدرة على تحويلها إلى فعل جماعي منظم. وفي الخليج، لم تعد المعضلة نقصاً في السلاح أو الموارد، بل في أن القدرات الوطنية التي تراكمت طوال عقود لم تتحول بعد، بالقدر المطلوب، إلى قدرة خليجية مشتركة تعمل بمنطق واحد عندما يقع الخطر.
وفي تقديري، هذه هي الرسالة السياسية الأهم في حديث الدكتور أنور قرقاش عن ضرورة الارتقاء بالعمل الخليجي المشترك. فالمسألة تتجاوز تطوير القدرات إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي نفسه: هل يبقى أمن ست دول متجاورة، لكل منها حساباتها، أم يصبح أمناً لمجال استراتيجي واحد؟
لقد تغير التهديد. فالصاروخ والمسيّرة والهجوم السيبراني لا تعترف بالحدود السياسية باعتبارها حواجز أمنية. وقد ترصد دولة تهديداً يتجه إلى دولة ثانية، فيما تملك دولة ثالثة الوسيلة الأنسب لاعتراضه. لذلك لم تعد قيمة القوة فيما تملكه كل دولة منفردة، بل في قدرتها على العمل داخل منظومة أكبر.
ومن هنا، فإن «درع الجزيرة»، رغم أهميته السياسية والعسكرية، لم يعد وحده التعبير الكافي عن الدفاع الجماعي. المطلوب ليس بالضرورة جيشاً خليجياً موحداً، بل عقل دفاعي واحد فوق ست سيادات وطنية: يرى الخطر في اللحظة نفسها، ويتبادل المعلومات فوراً، ويعرف مسبقاً من يرصد ومن يعترض ومن يقود ومن يقرر.
وهذه الأخيرة هي العقدة الأصعب. فمن السهل نسبياً شراء ست منظومات دفاعية متطورة، لكن الأصعب أن تتفق ست دول على تعريف التهديد وحدود المسؤولية وقواعد الاستجابة.
وإيران هي الاختبار الأكثر وضوحاً لهذه المعادلة. فهي جار دائم، ولا مصلحة للخليج في تحويل العلاقة معها إلى مواجهة مفتوحة. الحوار وخفض التصعيد ضروريان، لكن الحوار يصبح أكثر جدية عندما يستند إلى ردع موثوق. فإيران التي تعرف أن الضغط على دولة خليجية سيُنظر إليه باعتباره تهديداً للمجال الخليجي بأكمله، ستكون أكثر حذراً في حساباتها وأكثر استعداداً للتعامل مع الدبلوماسية بجدية.
الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة. واشنطن شريك أمني رئيسي وستبقى كذلك، لكن أولوياتها عالمية ومتغيرة، بينما الخليج هو الوطن الدائم لدوله. لذلك لا ينبغي أن تتحول الشراكة الأميركية إلى بديل عن القدرة الذاتية. المطلوب ليس إخراج الولايات المتحدة من معادلة الأمن، بل بناء طرف خليجي أقوى داخل هذه الشراكة.
بالنسبة إلى الإمارات، أثبتت التجربة أن الأمن الوطني لا ينتهي عند الحدود. فأمن أبوظبي مرتبط باستقرار الرياض ومسقط والمنامة والدوحة والكويت، كما أن أمن هذه العواصم يتأثر بما يحدث في بقية المجال الخليجي. الطاقة والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد جعلت الترابط الأمني حقيقة تسبق أحياناً القرار السياسي.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لمجلس التعاون. لقد نجح المجلس في البقاء رغم الحروب والأزمات والخلافات، لكن البقاء لم يعد معيار النجاح الكافي. السؤال الآن هو ما إذا كان يستطيع الانتقال من مؤسسة تجمع ست دول إلى منظومة تجعل قوة كل دولة جزءاً من قوة الآخرين.
الخليج لا تنقصه القوة. ما ينقصه هو القرار السياسي الذي يحول القوة الموجودة إلى قوة مشتركة.
وعندها لن يكون السؤال عند الأزمة: من سيأتي لحماية الخليج؟
بل: كيف سيحمي الخليج نفسه؟