EN

لا تستهينوا بالحوثيين أبداً

SAFAA SUBHI

ألكسندرا ستارك

قبل بضع سنوات فقط، كان المتمردون الحوثيون في اليمن يُنظر إليهم باعتبارهم قوة من الدرجة الثانية أو الثالثة ضمن «محور المقاومة» الإيراني، ما دفع صانعي القرار إلى التعامل معهم بوصفهم حلفاء لطهران. لكن، رغم استفادتهم من الأسلحة والتدريب والخبرة الإيرانية، فإن للحوثيين مصالحهم الخاصة، ويتصرفون وفقاً لها.

وتسيطر هذه الجماعة المسلحة على جزء كبير من شمال اليمن، وهي قادرة على التأثير في المرحلة المقبلة من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إذا حاولت إعادة فرض حصار على مضيق باب المندب. ويمكن للحوثيين إعادة إشعال الحرب في اليمن، وعرقلة الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران، وجر الولايات المتحدة إلى مزيد من التورط في صراعات المنطقة.

كان أحد الافتراضات الرئيسية التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، الذي بدأ في فبراير/شباط، أن الميليشيات الموالية لطهران أُضعفت بشكل كبير. فقد تلقى حزب الله، الجماعة المسلحة في لبنان التي كانت ذات يوم أقوى حلفاء إيران في المنطقة، ضربات قوية من إسرائيل خلال حرب غزة، وكذلك حركة حماس. كما خسرت إيران حليفاً رئيسياً آخر بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024.

ولم ينخرط الحوثيون، الذين أُضعفت قدراتهم العسكرية أيضاً جراء الضربات الأمريكية خلال عامي 2024 و2025، في المعركة على الفور عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب إيران هذا العام، ما جنّبهم، على ما يبدو، ضربات مماثلة.

ربما كانوا يترقبون الفرصة المناسبة. فبفضل موقعهم الجغرافي المميز، يستطيع الحوثيون تعطيل حركة الملاحة التجارية في مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي عند مدخل البحر الأحمر، تمر عبره ما بين 12 و15 في المئة من التجارة البحرية. وعلى الجانب الآخر من البحر الأحمر تقع قناة السويس، وهي ممر حيوي لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال إلى أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا. ومع إغلاق إيران مضيق هرمز فعلياً، أصبح الحوثيون الآن في موقع أقوى من أي وقت مضى.

لقد قطع الحوثيون شوطاً طويلاً في توسيع نفوذهم العالمي منذ سيطرتهم على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014، وطرد الحكومة المعترف بها دولياً من المدينة مطلع عام 2015. وعندما توغلت قوات المتمردين جنوباً في مارس/آذار من ذلك العام، في محاولة للسيطرة على مناطق في جنوب اليمن، تدخل تحالف بقيادة المملكة العربية السعودية وبدعم من الولايات المتحدة.

وتحوّلت الحرب، التي كانت محصورة في نطاق محلي، إلى صراع إقليمي وأزمة إنسانية مدمرة. وفي نهاية المطاف، وأمام حالة الجمود والضغوط الدولية الكبيرة، وافق الطرفان على وقف إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022. وبحلول ذلك الوقت، كان الحوثيون قد أسسوا سلطة بحكم الأمر الواقع في شمال اليمن، بينما كانت الحكومة الضعيفة المدعومة من السعودية تحكم اسمياً أجزاء من الجنوب والغرب.

واستعرض الحوثيون قوتهم بمهاجمة سفن الشحن في البحر الأحمر مع بداية حرب غزة التي اندلعت عام 2023. وباستخدام معدات بسيطة ومنخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه والصواريخ والسفن السطحية غير المأهولة، زاد الحوثيون من مخاطر عبور المضيق، ورفعوا تكلفة تأمين السفن التجارية إلى عشرين ضعفاً، ما أدى فعلياً إلى إغلاقه. واضطرت السفن، عبر الطريق البديل الوحيد، إلى الالتفاف حول الطرف الجنوبي للقارة الأفريقية، ما يضيف إليها 4000 ميل بحري أو أكثر، ويرفع تكاليف الشحن.

وفي الشهر الماضي، استأنف الحوثيون هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر، مستهدفين ناقلات نفط تجارية مرتبطة بالسعودية، ومُلحقين أضراراً بالبنية التحتية السعودية في قطاعي الطاقة والنقل. وجاءت هذه الهجمات رداً على ما زعموا أنه غارات جوية سعودية استهدفت مدرج مطار صنعاء في 13 يوليو/تموز، في محاولة، على ما يبدو، لمنع هبوط طائرة إيرانية قادمة.

وحتى الآن، لا تزال السفن التجارية تعبر البحر الأحمر، رغم الانخفاض الملحوظ في حركة ناقلات النفط خلال الشهر الماضي. كما استمرت هجمات الحوثيين على السفن التي يقولون إنها مرتبطة بالسعودية، وشهد هجوم على سفينة شحن في 12 أغسطس/آب أول خسائر بشرية مُعلنة في هذه الجولة الأخيرة من الهجمات.

وفي الأيام الأخيرة، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات استهدفت سفينة في ميناء المخا على البحر الأحمر، الذي تسيطر عليه قوات متحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، إضافة إلى مطارات ومنشآت لتكرير النفط في المملكة العربية السعودية.

ومع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، ازدادت أهمية طريق البحر الأحمر وقناة السويس. وكانت المملكة العربية السعودية تسعى إلى تجنب مضيق هرمز عبر نقل النفط الخام بواسطة خط أنابيب إلى ميناء ينبع على ساحلها الغربي. إلا أن هجمات الحوثيين الأخيرة عرقلت هذا الخيار. وقد يؤدي الإغلاق الوشيك لكل من مضيق هرمز وقناة السويس إلى تفاقم مشكلات التجارة العالمية، ورفع أسعار النفط ومعدلات التضخم إلى مستويات أعلى.

وبات الحوثيون الآن في وضع يسمح لهم بتصعيد تدخلهم في الصراع الإقليمي المحتدم أصلاً، بما يعقّد الجهود الرامية إلى إنهاء هذا الصراع. وقد يظن البعض أن هذه الخطوة جاءت بتحريض من إيران، لكن الحقيقة على الأرجح أكثر تعقيداً.

وبفضل وعيهم الشديد بمصالحهم الخاصة ونهجهم البراغماتي في الساحة الدولية، أثبت الحوثيون قدرة في اختيار التوقيت المناسب للانخراط في الصراعات أو تصعيدها. فعلى سبيل المثال، عندما هاجموا السفن في البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025، زعموا أن هدفهم كان الضغط على إسرائيل لخفض حدة عملياتها في غزة. كما عززت هذه الهجمات شرعيتهم في المناطق التي يسيطرون عليها في شمال اليمن، وحوّلت الأنظار عن إخفاقاتهم في الحكم في وقت كانت فيه شعبيتهم تتراجع.

هذه المرة، يبدو أن الحوثيين يرون فرصة سانحة لتعزيز نفوذهم في المفاوضات مع المملكة العربية السعودية للتوصل إلى تسوية سياسية للحرب اليمنية، أو فرصة لاستئناف الهجمات ضد الحكومة المدعومة دولياً.

وكان للجولة السابقة من هجمات الحوثيين، بين عامي 2023 و2025، تأثير كبير، وإن كان قابلاً للسيطرة في نهاية المطاف، على الاقتصاد العالمي. وتشير التقديرات إلى أن الاضطرابات التي أعقبتها في حركة الشحن سيكون لها تأثير طفيف على التضخم. أما التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق باب المندب بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، فمن المرجح أن تكون أشد وطأة.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب مع إيران، يهدد الحوثيون باستئناف حربهم في اليمن، وهو ما من المرجح أن يجر السعودية إلى الحرب، ويهدد تجارة النفط العالمية، ويبقي المنطقة في حالة من عدم الاستقرار.

وسيكون من الصعب تهدئة التوترات الإقليمية من دون مواجهة تهديد الحوثيين بشكل مباشر، بدلاً من افتراض إمكانية حل المشكلة من خلال التفاوض مع إيران، التي يُفترض أنها سندهم الرئيسي. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لأحد أن يفترض أن أي اتفاق مع إيران سيقيّد خطوات الحوثيين اللاحقة.

وعلى المجتمع الدولي أن يتعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفاً براغماتياً وخطيراً، يتخذ قراراته بما يخدم مصالحه الذاتية.

ألكسندرا ستارك، باحثة سياسية في مؤسسة راند ومؤلفة كتاب «نموذج اليمن»

ماذا تقرأ بعد ذلك