عاد الحوثيون إلى خاصرة السعودية الأمنية من بوابة مطار صنعاء. بحسب أكسيوس، حصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على دعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل تنفيذ ضربة على المطار الخاضع للحوثيين، في خطوة وُصفت بأنها غير مألوفة وخطرة لأنها قد تطيح بهدنة غير رسمية استمرت منذ 2022.
لبّ القصة لا يمكن في الضربة وحدها، بل في ما سبقها. فطائرة تابعة لشركة ماهان الإيرانية هبطت في صنعاء، ثم نقلت وفداً حوثياً إلى إيران. بالنسبة إلى الرياض، لم يكن ذلك مجرد رحلة سياسية عادية، بل فتحاً لممر جوي تخشى السعودية أن يتحول إلى طريق لنقل السلاح والخبراء. فعندما عادت الطائرة ثانية، قصفت السعودية مطار صنعاء، فحوّل الحوثيون وجهة الطائرة إلى الحديدة وردوا بصواريخ وطائرات مسيرة على مطار أبها السعودي.
هكذا ظهرت هشاشة ما بنته الرياض خلال السنوات الماضية. فمنذ هدنة 2022، لم تُسكت السعودية الحوثيين بانتصار عسكري “حاسم”، بل بتفاهمات متدرجة: فتح محدود للمطار والموانئ، تبادل للأسرى، وسجال طويل حول رواتب موظفي الدولة في مناطق الحوثيين. كانت تلك هندسة تهدئة أكثر منها سلاماً حقيقياً. والآن، مع دخول إيران المباشر عبر ملف الطيران، عاد السؤال: هل ما زال الهدوء قابلاً للشراء؟
التفاصيل
- دعم أميركي: أكسيوس أفادت بأن محمد بن سلمان أبلغ ترمب مسبقاً وطلب دعمه لتحرك عسكري ضد الحوثيين، وحصل عليه.
- نقطة الاشتعال: الأزمة بدأت بعد هبوط طائرة إيرانية في صنعاء للمرة الأولى تقريباً منذ سنوات، وسط مخاوف سعودية من استخدامها لنقل سلاح أو خبراء.
- الضربة السعودية: السعودية قصفت مطار صنعاء أثناء عودة الطائرة، ما أجبرها على الهبوط في الحديدة على ساحل البحر الأحمر.
- رد الحوثيين: الحوثيون أطلقوا صواريخ وطائرات مسيرة على مطار أبها، وحذروا شركات الطيران من استخدام الأجواء السعودية ما دام حصار صنعاء قائماً.
- جذر العداء: العلاقة العدائية تعود إلى حروب صعدة ثم اشتباكات الحدود في 2009، قبل أن تنفجر حرب 2015 بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء.
- هدنة الرواتب: ملف دفع رواتب موظفي الدولة في مناطق الحوثيين أصبح ورقة مركزية في التهدئة، لأنه يمنح الجماعة مكسباً داخلياً مقابل وقف الهجمات.
- افتراق الإمارات: السعودية أرادت وقف تهديد حدودها وحفظ وحدة شكلية لليمن، بينما ركزت الإمارات على الجنوب والموانئ والقوى المحلية المناهضة للإخوان.
بين السطور
تقرير أكسيوس يضع القطعة المفقودة في القصة: السعودية لم تتحرك وحدها هذه المرة، بل طلبت غطاءً أميركياً مسبقاً لأنها تعرف أن ضرب الحوثيين لم يعد شأناً يمنياً محدوداً. أي ضربة على صنعاء قد تفتح باباً أوسع مع إيران، وقد تعيد الصواريخ إلى المطارات والمنشآت السعودية.
ما فعلته الرياض منذ 2022 كان أقرب إلى تعليق الحرب وليس السعي لإنهائها. رواتب الموظفين، وفتح المطار، وتبادل الأسرى، وتخفيف القيود على الموانئ، كلها صنعت هدوءاً عملياً. لكنها لم تغيّر طبيعة الحوثيين كقوة مسلحة ترى أن الضغط العسكري يرفع سعرها السياسي. لذلك جاءت الطائرة الإيرانية كاختبار صغير لمعنى الهدنة: هل هي تفاهم سعودي حوثي، أم أنها صالحة فقط ما دامت إيران لا تحاول كسر قواعدها؟
أما الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن فزاد هشاشة المشهد. فالشريكان دخلا الحرب بعنوان واحد، لكنهما لم يخرجا بتصور واحد. الرياض تريد شمالاً لا يهدد حدودها، وأبوظبي تريد جنوباً وموانئ وقوى محلية لديها القدرة هلى حماية نفسها. وعندما يصبح اليمن مقسماً عملياً بين أولويات متضاربة، يجد الحوثيون مساحة أوسع للمناورة.
ما الذي نترقبه؟
المؤشر الأول هو ما إذا كانت السعودية ستواصل ضرب مطار صنعاء وخطوط الإمداد، أم ستعود سريعاً إلى الوساطة العُمانية ومسار التهدئة الاقتصادية. المؤشر الثاني هو مستوى الدعم الأميركي: هل يبقى غطاءً سياسياً محدوداً، أم يتحول إلى دعم عسكري ودبلوماسي أوسع إذا توسعت هجمات الحوثيين؟ أما المؤشر الثالث فهو موقف الإمارات، لأن أي تصعيد جديد في الشمال سيعيد اختبار الشراكة الخليجية القديمة في اليمن.