التفصيل
كشفت نيويورك تايمز، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، أن الخلاف بين واشنطن والرياض تجاوز اختلاف وجهات النظر حول الحرب مع إيران، ليصل إلى تباين أعمق بشأن إدارة أمن الخليج ومستقبل التوازنات الإقليمية.
ووفقاً للتقرير، أطلقت وزارة الدفاع الأمريكية عملية حملت اسم “مشروع الحرية” بهدف حماية السفن التجارية في مضيق هرمز بعد تعطل الملاحة خلال الحرب، إلا أن السعودية رفضت السماح للطائرات الأمريكية باستخدام مجالها الجوي، معتبرة أن العملية قد تؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار وإشعال مواجهة جديدة.
وأشار التقرير إلى أن القرار السعودي فجّر اتصالات عاجلة بين الرئيس ترامب وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، شارك فيها نائب الرئيس جيه دي فانس، والمبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، في محاولة لإقناع الرياض بتغيير موقفها.
لكن ولي العهد تمسك بالرفض، ما اضطر إدارة ترامب إلى إلغاء العملية بعد أقل من 48 ساعة من انطلاقها، في خطوة وصفها التقرير بأنها واحدة من أبرز محطات التباعد بين الجانبين خلال الحرب.
ويرى التقرير أن القيادة السعودية باتت تشكك في قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات الإقليمية، خاصة بعد امتناع واشنطن عن الرد العسكري على الهجوم الذي استهدف منشآت “أرامكو” عام 2019، وهو ما ترك أثراً دائماً في الحسابات الأمنية للمملكة.
وفي المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن علاقة الرئيس ترامب بالسعودية “ممتازة”، مشيرة إلى أن الرئيس يستمع إلى آراء شركائه الإقليميين، لكنه يتخذ قراراته وفق ما يخدم الأمن القومي الأمريكي.
لماذا تغيّر الموقف السعودي؟
منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران بوساطة صينية عام 2023، اتجهت السعودية إلى سياسة تقوم على خفض التصعيد وتجنب الحروب المفتوحة، بالتوازي مع التركيز على تنفيذ مشاريع رؤية 2030 التي تعتمد على الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وبحسب التقرير، ترى الرياض أن التهديد الإيراني لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يشمل الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ولذلك فضّلت إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع طهران بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة.
كما عززت المملكة علاقاتها مع الصين وباكستان، ووسعت هامش استقلالها في السياسة الخارجية، بما يقلل اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية.
زيارة روبيو زادت الشكوك
اعتبر التقرير أن تجاوز وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للسعودية خلال جولته الخليجية، وزيارته البحرين والكويت والإمارات قبل لقاء وزير الخارجية السعودي على هامش اجتماع إقليمي، عكس حجم التوتر الذي يخيّم على العلاقة بين البلدين.
ورغم تأكيد روبيو أن التحالف الأمريكي الخليجي “اجتاز الاختبار”، فإن التقرير يرى أن الرياض ما زالت تتعامل بحذر مع التزامات واشنطن الأمنية.
التعاون مستمر… لكن بشروط جديدة
ورغم التباينات، لا تزال ملفات استراتيجية عديدة تجمع الطرفين، من بينها برنامج نووي مدني سعودي، وصفقات تسليح، ومشاريع لإنشاء ممرات تجارية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز.
لكن التقرير يشير إلى أن المملكة أصبحت أكثر استعداداً لاتخاذ مواقف مستقلة عندما ترى أن المصالح الأمريكية قد تتعارض مع أمنها الوطني أو استقرار المنطقة.
خلفية
شكّل الهجوم الإيراني على منشآت أرامكو في سبتمبر/أيلول 2019 نقطة تحول في العلاقة بين الرياض وواشنطن، بعدما امتنعت إدارة ترامب عن الرد العسكري المباشر، رغم استهداف أكبر منشأة لإنتاج النفط في العالم.
ومنذ ذلك الحين، سعت السعودية إلى تنويع شراكاتها الدولية، ونجحت في إعادة العلاقات مع إيران عام 2023 بوساطة صينية، في خطوة عكست تحولاً واضحاً في استراتيجيتها الإقليمية.
كما أبرزت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران هشاشة أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما دفع دول الخليج إلى البحث عن ترتيبات أمنية أكثر استقلالية.
ماذا بعد؟
إذا نجحت المفاوضات الأمريكية الإيرانية في تثبيت وقف إطلاق النار والتوصل إلى تفاهمات أوسع، فمن المرجح أن تواصل السعودية دعم أي تسوية تقلل مخاطر الحرب وتحافظ على استقرار المنطقة.
أما إذا انهارت التفاهمات وتجددت المواجهة العسكرية، فقد تواجه واشنطن واقعاً جديداً يتمثل في أن أقرب حلفائها الخليجيين لم يعودوا مستعدين لتقديم دعم عسكري غير مشروط كما كان في السابق.