أخبار عالمية تقدم إشارات واضحة حول ما يهم في المستقبل

EN

-

آراء

استراتيجة “تجزئة الصفقة” والمخرج الأخير للدبلوماسية الإيرانية!

Facebook
LinkedIn
X
Facebook
الفارق جوهري بين صناعة ورواية النصر هو أن النصر يفرض شروطه دفعة واحدة. أما الهزيمة القابلة للإدارة، فتحتاج إلى توزيعها على خرائط، وعواصم، وملفات، ومصطلحات.  وهذا بالضبط ما تفعله طهران: فهي لا تذهب إلى منطقك الصفقة الواحدة الكبيرة التي تحمل توقيعاً واضحاً مع واشنطن، لأن ذلك سيبدو داخلياً كاستسلام.  لذلك تلجأ إلى آلية تفكك الصفقة إلى مسارات: النووي في عهدة موسكو، ومضيق هرمز يطرح بالشراكة مع مسقط لكي لا تسقطه طهران من عهدتها لوحدتها.  أما التهدئة فتمر عبر القاعة المتواضعة في  إسلام آباد، والغطاء الإقليمي يجري ترتيبه مع الرياض وأنقرة والقاهرة، وتبقى بكين تمثل رصيد الضمان الاستراتيجي السيكولوجي.    وهذه ليست فوضى دبلوماسية. إنها ، كما تبدو من جولة عراقجي الأخيرة ، نوعا من هندسة الخروج من الأزمة.

تتحرك إيران اليوم على قاعدة قديمة في سلوكها السياسي: عندما تضيق الخيارات، لا تعلن التراجع، بل تغير اسمه. التنازل النووي يصبح ترتيبات فنية. فتح المضيق يصبح آلية أمن ملاحي. وقف التصعيد يصبح انتصاراً للحكمة. القبول بالوساطة يصبح اعترافاً بمكانة إيران الإقليمية. وحتى الخسارة العسكرية يمكن تسويقها كصمود أسطوري أمام أعظم قوة كونية!

في الظاهر، هناك حركة وساطات كثيفة. باكستان تقود قناة غير مباشرة بين واشنطن وطهران. وتتحرك عُمان على ملف مضيق هرمز وأمن الخليج. ووفق تقارير عدة، تشارك مصر وتركيا والسعودية وقطر وروسيا في محاولات خفض التصعيد أو تثبيت إطار تفاوضي أوسع. كما عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان، وزار عُمان، وتحدث مع نظرائه في السعودية وقطر وفرنسا، بينما برزت موسكو كمحطة للملف النووي.  

لكن المعنى الأعمق لا يفسر تلقائياً بكثرة الوسطاء. المعنى أن طهران لم تعد قادرة على ابتلاع صفقة ترامب ككتلة واحدة، لذلك تحاول تقطيعها إلى كسر سياسية صغيرة.

وهنا تظهر استراتيجيةتجزئة الصفقة“.

فإيران تعرف أن الصفقة المباشرة مع الولايات المتحدة، خصوصاً تحت ضغط الحرب والحصار والتهديد، ستفتح عليها جبهة داخلية قاتلة: الحرس، المحافظون، البرلمان، الشارع المعبأ بخطاب الصمود، وكل ماكينة الشرعية التي عاشت سنوات على فكرة أن التراجع أمام واشنطن خيانة. لذلك يصبح الحل هو توزيع التنازل جغرافياً. ما يُقال في موسكو لا يُقال في مسقط. وما يُبحث في إسلام آباد لا يظهر كاتفاق أميركي إيراني مباشر. وما يُناقش مع السعودية وتركيا يبدو كترتيب إقليمي وليس كإملاء أميركي.

بهذه الطريقة، لا يظهر النظام أمام جمهوره كمن ذهب إلى واشنطن خاضعاً مستسلماً. وإنما يظهر كمن يدير شبكة عواصم، ويجبر العالم على التفاوض معه من عدة أبواب.

هذه هي الخدعة الكبرى.

الدبلوماسية الإيرانية لا تبحث فقط عن وقف حرب. تبحث عن مسرح إخراج. تريد أن يخرج الاتفاق النهائي، إن نضج فعلا، ليس بوصفه تنازلاً مركزياً، لأنه، في هذه الحال،  سيأتي حصيلة اعتراف دولي بأن إيران لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه. ولذلك يصبح الشكل جزءاً من المضمون. فالمكان ينطوي على أهميته. وترتيب العواصم جزء من مسرحة الإتفاق. وكذلك أسماء الوسطاء وتعدد مشاربهم. وحتى غياب اللقاء المباشر يصبح نوعاً من الرواية: لسنا نحن من ذهبنا إلى الأميركيين، بل العالم كله جاء إلينا.

في هذه اللحظة، تستعيد إيران غريزة إمبراطورية قديمة: إن تعذر الانتصار، اصنع صورة انتصار.

وهنا يصبح استدعاء سلاميس دقيقاً. فحين استطاع الأمبراطور خشايارشا حرق أثينا، لكنه خسر في البحر المعركة التي كسرت زخم الإمبراطورية. فالصورة التي أراد تسويقها كانت: لقد عاقبنا اليونان وأحرقنا مدينتهم. أما الحقيقة الاستراتيجية فكانت: الأسطول الفارسي تلقى ضربة غيّرت ميزان المبادرة. كان يحتاج إلى نار أثينا كي تحجب ماء سلاميس.

إيران اليوم قد تفعل الشيء نفسه. قد تقول للداخل: صمدنا. وفرضنا الوسطاء. وجعلنا هرمز على طاولة العالم. أجبرنا واشنطن على الاعتراف بثقلنا. 

حمينا البرنامج النووي من التدمير الكامل. منعنا سقوط النظام. هذه كلها نيران رمزية تصلح للشاشات والهتاف في الشوارع.

لكن البحر، أي ميزان القوة الحقيقي، يقول شيئاً آخر: عندما تصبح مضطراً إلى تدوير ملفاتك بين موسكو ومسقط وإسلام آباد والرياض وبكين، فأنت لا تقود المشهد وحدك. أنت تبحث عن ممر آمن للخروج.

العقدة أن إيران لا تستطيع أن تتنازل بلا غطاء، ولا تستطيع أن تستمر في التصعيد بلا كلفة. مضيق هرمز ورقة خطيرة، لكنها ليست ورقة مجانية. إغلاقه أو فرض رسوم عليه يزعج العالم كله، بما في ذلك الصين، لا أميركا وحدها. والملف النووي ورقة سيادية في خطاب طهران، لكنه صار عبئاً إن تحول إلى ذريعة لتجريد إيران من بنيتها العسكرية والاقتصادية. أما الحرب الطويلة، فهي أخطر على النظام من أي اتفاق ناقص.

لذلك فإن الصفقة الكبرى، إن وُلدت، لن تكون صفقة سلام بالمعنى الرومانسي. ستكون صفقة ضبط إيقاع الخسائر.

لهذا فإن بقاء قاليباف في طهران، إن صحّ هذا التقدير، يحمل معنى سياسياً: الداخل يحتاج إلى حارس للرواية بقدر ما يحتاج الخارج إلى مفاوض. عراقجي يجول بين العواصم لصناعة الإطار. وقاليباف يبقى في الداخل لمنع انفجار التناقضات قبل اكتمال المسرح. لأن أخطر لحظة على النظام ليست لحظة التوقيع، بل لحظة ما قبل التوقيع، حين تبدأ الفصائل بشم رائحة التنازل قبل أن يُعاد تعطيره باسم الانتصار.

من هنا، لا ينبغي قراءة التحركات الإيرانية كارتباك محض. لكنه ارتباك يجري تنظيمه. فطهران تعرف أنها محاصرة بين كلفة الحرب وكلفة الصفقة. والحل الإيراني المعتاد هو الطريق الثالث: لا حرب كاملة، ولا صفقة عارية، بل إطار متعدد العواصم يسمح لكل طرف بأن يبيع لجمهوره نسخة مختلفة من الحقيقة.

هذا هو الدرس الفارسي القديم من سلاميس إلى طهران: عندما تخسر البحر، أشعل النار في مكان آخر، ثم قل للناس إنهم يرون النصر.

ماذا تقرأ بعد ذلك

تكنولوجي

-

رئيس إنفيديا يهاجم ذعر الوظائف: الذكاء الاصطناعي لا يلغي العمل بل يغيّره!

إيران, الشرق الأوسط, سوريا, لبنان

-

ترامب يضغط نحو اتفاق مع إيران وسط تصعيد يمتد من الخليج إلى لبنان وسوريا!

تكنولوجي

-

أميركا تختبر في الفلبين إسقاط المسيّرات بكلفة أقل.

اقتصاد, الشركات, تكنولوجي

-

الشركات تضبط فوضى استخدام الذكاء الاصطناعي… الفاتورة صارت ثقيلة!!

اقتصاد, الإمارات

-

اقتصاد الإمارات ينمو 6.2% في 2025… وتوترات الخليج تختبر زخم 2026!

ثقافة وفن

-

دراسة جينية تكشف لغزاً جديداً في عائلة بيتهوفن!