-صدر كتاب The Persian Puzzle: The Conflict Between Iran and America عام 2004 عن Random House، وجرى تقديمه حينها بوصفه محاولة لفهم العلاقة المضطربة بين واشنطن وطهران من داخل تاريخها الطويل، وليس من داخل لحظة أمنية عابرة.
-أهمية الكتاب أنه لا يختزل إيران في خطاب أيديولوجي مجرد، ولا يختزل أميركا في رد فعل آني، بل يضع الطرفين داخل ذاكرة مثقلة بالانقلاب على مصدق، والثورة، وأزمة الرهائن، والحرب العراقية الإيرانية، والاشتباكات في الخليج، ثم أفغانستان والعراق. كما كان بولوك واضحاً في أن تغيير النظام ليس ما يقدمه للقراء، وأن المقاربة الفعالة تحتاج مزيجاً من الدبلوماسية والضغط.
-هنا تكمن قيمة الكتاب اليوم. فالقوة فيه هي في بناء صورة مركبة لدولة ترى نفسها وريثة تاريخ إمبراطوري كبير، وفي الوقت نفسه تحمل شعوراً دائماً بالاختراق والتطويق والإذلال.
-ومن هذه العقدة المزدوجة، الكبرياء من جهة والهشاشة من جهة أخرى، يفسر بولوك لماذا لا تفهم طهران أن الضغط الخارجي اختبار للسيادة والكرامة والنجاة. هذا بالضبط ما يجعل كل أزمة أكبر من حجمها العسكري المباشر.
تفصيل
هنا، يظهر مضيق هرمز كممر بحري ضيق، ويمثل نقطة التعويض الكبرى في استراتيجية دولة أضعف تقليدياً من خصمها الأميركي في ميزان القوة الشاملة.
حين لا تستطيع إيران أن تنتصر في حرب تقليدية مفتوحة، تحاول أن ترفع كلفة الحرب على خصمها وعلى العالم:
• من خلال التهديد البحري،
•والاستنزاف غير المباشر،
•واللعب على حساسية الطاقة والأسواق. لذلك فأن التهديد بهرمز يأتي تعبيراً
عن منطق ردع غير متكافئ: إذا تعذر كسب الحرب، يمكن جعلها مكلفة إلى حد يمنع الخصم من ترجمة تفوقه بسهولة.
لكن ما يبدو أداة ردع على الخرائط، قد ينقلب في لحظة الحرب إلى عبء استراتيجي هائل.
فبحسب الوكالة الدولية للطاقة، مرّ عبر هرمز في 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، مع بدائل محدودة للالتفاف عليه. وتقول إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عبرت المضيق في 2024. هذه الأرقام تعني أن أي تعطيل واسع لا يضغط على واشنطن التي هي بمنأى عنه، يضغط على بنية الطاقة العالمية بأكملها.
وهنا يبدأ التحول الحاسم. ما دام الإغلاق تهديداً نظرياً، فإنه يبقى جزءاً من لعبة الردع. أما حين يتحول إلى تعطيل فعلي، فإنه يبدل صورة إيران من دولة تقاوم الضغط إلى دولة تبدو وكأنها تمسك شريان الاقتصاد العالمي وتلوّح بخنقه. هذا ما جعل المشهد في مارس 2026 مختلفاً عن منطق التهديد التقليدي: فطهران أبلغت الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية أن السفن غير المعادية فقط يمكن أن تعبر إذا نسّقت مع السلطات الإيرانية، في وقت كانت فيه حركة الشحن والطاقة عبر المضيق مضطربة بشدة، بينما راحت دول الخليج تزيد استخدام المسارات البديلة مثل ينبع والفجيرة. في هذه اللحظة تحديداً، ما عادت المعركة ثنائية بين إيران وأميركا، تطورت إلى مواجهة مع النظام الملاحي العالمي نفسه.
هذا هو جوهر المفارقة التي يساعدنا بولوك على فهمها. النظام الإيراني يميل إلى اخطر أوراقه حين يشعر أن المجال السياسي يضيق وأن خصومه لا يتركون له مخرجاً آمناً. ومن هنا تبدو ورقة هرمز أداة أخيرة:
•شديدة الحساسية،
•عالية الكلفة،
•ومغرية في لحظة الاختناق.
لكنها في الوقت نفسه ورقة توسّع ساحة الاشتباك إلى ما هو أبعد من الخصم المباشر. فكلما ارتفعت قيمة المضيق في السوق العالمية، صار استخدامه الكامل أقل قابلية للحصر وأشد قابلية لاستدعاء رد أوسع.
ماذا بعد؟
التحول الأهم في الوضع الحالي هو التحول الاستراتيجي. إيران كانت تستخدم هرمز تاريخياً يمثل تهديداً يمكن ردعه. أما اليوم، فكل اقتراب من تعطيل فعلي واسع يجعله سلاحاً يرتد عليها أيضاً. لأن الدولة التي تحاول فرض كلفة على العالم عبر المضيق، قد تجد نفسها أمام ائتلاف أوسع، وأسواق أشد عداءً، وشرعية أضعف لحجتها الدفاعية. بعبارة أخرى: كلما انتقلت الورقة من مستوى التهديد إلى مستوى الاستخدام، تراجعت قيمتها كأداة مساومة وارتفعت قيمتها كأداة حرق متبادل.
(تحليل)
في قراءة بولوك، إن إيران نظام مركب، تحكمه حسابات أمن وهوية وتاريخ ومؤسسات متنافسة. لذلك لا يُفهم قرار من نوع مضيق هرمز بلغة البحرية والصواريخ وحدها، فهو يستدعي لغة السيكولوجيا الاستراتيجية أيضاً:
- كيف ترد دولة جريحة على ضغط تعتبره تهديداً وجودياً؟ الجواب قد يكون تصعيداً يبدو من الداخل دفاعاً عن الكرامة والسيادة، لكنه من الخارج يبدو تهديداً مباشراً للنظام الدولي للطاقة والتجارة. وهنا تحديداً يتحول السلاح من أداة ردع إلى خيار انتحاري بالمعنى الاستراتيجي: لأن أثره أكبر من قدرة صاحبه على احتوائه.