في أول أسبوع له داخل فريق جديد، جاء شاب من جيل زد إلى جلسة تعريف بالشركة. قال المدير إن ضغط العمل قد يفرض أحياناً البقاء حتى وقت متأخر. هز الشاب رأسه موافقاً، ثم سأل سؤالاً بسيطاً: هل هذا الوقت الإضافي مدفوع، أم متوقع أن نبقى دون مقابل؟ ساد الصمت. لا لأن السؤال صادم، بل لأنه قال ما يفكر به كثيرون ولا ينطقونه.
لاحقاً في اليوم نفسه، تحدثت الموارد البشرية عن فرص النمو. رد الشاب بهدوء: هل هذا النمو يتضمن زيادة في الراتب، أم أنه يعني مسؤوليات أكثر فقط؟ الصمت تكرر. المشهد ليس نكتة عن جيل جديد، بل نافذة على تحول في قواعد اللعبة داخل بيئات العمل.
لماذا تبدو أسئلة جيل زد مستفزة لبعض الإدارات؟
لأنها تزيل طبقة من اللغة المبطنة التي اعتادت عليها مؤسسات كثيرة. في ثقافة عمل قديمة نسبياً، كانت التضحيات الشخصية تُقدَّم بوصفها دليلاً على الولاء والطموح، حتى حين لا يقابلها نظام واضح للتعويض أو الترقية. أما جيل زد فيميل إلى تحويل أي وعد إلى سؤال قابل للقياس: كم ساعة إضافية؟ ما المقابل؟ ما معيار النمو؟ وما الذي سيتغير فعلاً في الراتب أو العنوان الوظيفي أو الصلاحيات؟
هذا الميل للوضوح لا يأتي من فراغ. تقرير ديلويت العالمي عن جيل زد والجيل الألفي يصف مزيجاً يحكم خياراتهم: المال والمعنى والرفاه. ويشير إلى أن انعدام الأمان المالي واسع بين جيل زد، وأن التوازن بين الحياة والعمل يتقدم عند كثيرين على فكرة تسلق السلم الوظيفي التقليدي. كما يبرز أن التعلم والتطوير من أهم أسباب اختيار الوظيفة، لكن كثيرين يشعرون بأن الإدارة لا تقدم لهم ما يكفي في هذا الجانب.
الاقتصاد يعيد تشكيل الأسئلة
جيل زد دخل سوق العمل في زمن تضخم مرتفع في دول كثيرة، وإيجارات ترتفع، وشعور عام بأن الاستقرار لم يعد مضموناً. هنا يصبح سؤال المقابل ليس ترفاً أخلاقياً، بل آلية بقاء. ديلويت تلفت إلى تراجع الإحساس بالأمان المالي لدى نسبة كبيرة من جيل زد.
وفي منظور أوسع، تقرير منظمة العمل الدولية عن اتجاهات توظيف الشباب يضع جيل زد داخل عصر أزمات وعدم يقين، حتى حين تتحسن بعض مؤشرات التوظيف. هذا يعني أن فكرة التضحية الآن مقابل وعد مستقبلي مبهم تبدو أقل إقناعاً.
نفسياً: الإرهاق صار قصة عامة لا سراً
في السنوات الأخيرة، تحولت مفردات مثل الاحتراق الوظيفي والإرهاق المزمن إلى جزء من اللغة اليومية. غالوب رصدت مستويات مرتفعة من الضغط لدى الموظفين الأصغر سناً، وتحدثت عن ارتباط الضغط والإنهاك بالأداء والصحة والعلاقات.
وعلى مستوى أوسع، تقرير غالوب عن حالة مكان العمل عالمياً يشير إلى تراجع المشاركة الوظيفية في ٢٠٢٤. وفي الولايات المتحدة، أفادت غالوب بأن الشباب هم ضمن الفئات التي شهدت أكبر تراجعات في التفاعل مع العمل خلال السنوات الأخيرة.
حين يرى شاب في بداياته المهنية آباءه أو زملاء أكبر منه يفقدون توازنهم لصالح دوام لا ينتهي، يصبح سؤاله الأول منطقياً: ما الذي سأكسبه فعلاً؟ وما الذي سأخسره؟
التوقعات المهنية تبدلت: الصعود ليس الهدف الوحيد
في دراسة ماكنزي عن اختلاف الأجيال في العمل، تظهر صورة واضحة: جيل زد يعطي أولوية أعلى للمرونة، والعمل ذي المعنى، وفرص التطور المهني عند التفكير في الاستمرار بوظيفة، مقارنة بأجيال أكبر. هذا لا يعني أن الراتب غير مهم، بل يعني أنه ليس وحده معيار القرار.
ولأن معيار الاستمرار تغيّر، تغيّرت أيضاً الأسئلة الأولى في المقابلة أو في أسبوع التعريف. جيل زد يسأل مبكراً عن قواعد اللعبة: حدود الدوام، سياسة الساعات الإضافية، وكيف تُترجم المسؤوليات إلى أجر أو ترقية.
التكنولوجيا رفعت سقف السرعة والضغط… ورفعت أيضاً سقف الوعي
العمل اليوم أسرع، والحدود بين البيت والمكتب أكثر هشاشة، والرسائل لا تنتهي. مايكروسوفت في تقريرها عن اتجاهات العمل تشير إلى انتشار واسع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين العاملين بالمعرفة، وإلى شعور متزايد بثقل الإيقاع وحجم العمل. في بيئة كهذه، يصبح ضبط الحدود مهارة مهنية لا رفاهية شخصية.
أين يقع سوء الفهم؟
بعض الإدارات تسمع سؤال جيل زد بوصفه تحدياً للسلطة أو دلالاً. لكنه في كثير من الحالات مؤشر على عقد نفسي جديد بين الموظف والمؤسسة: التوقعات يجب أن تكون واضحة، والتعويض يجب أن يكون عادلاً، وفرص النمو يجب أن تكون قابلة للتحقق، لا مجرد شعار يضاف إلى عرض وظيفي.
(تحليل)
التحول الحقيقي ليس في شخصية جيل زد بقدر ما هو في إعادة تسعير الوقت. الزمن في الشركات صار عملة. وجيل زد، الذي تربى على المقارنات الفورية وعلى شفافية أعلى في المعلومات، يعامل وقته بوصفه أصلاً يجب أن يُدار بعقلانية. السؤال عن الساعات الإضافية ليس كراهية للعمل، بل رفض لتحويل الإضافي إلى عرف مجاني. والسؤال عن النمو ليس تهرباً من المسؤولية، بل رفض لمسار يضاعف الحمل دون مسار واضح للأجر أو التعلم أو الترقية.
ماذا يعني ذلك للشركات التي تريد الاحتفاظ بالمواهب؟
هناك أربع خطوات عملية تتكرر في توصيات التقارير الكبرى، حتى إن اختلفت اللغة:
١) تعريف واضح لسياسة الساعات الإضافية والتعويض عنها، مكتوبة ومعلنة.
٢) مسار نمو محدد: مهارات مطلوبة، تدريب فعلي، ومعايير ترقية مفهومة.
٣) إدارة عبء العمل: لا معنى لخطاب الرفاه إذا كان الواقع يفرض دواما ممتداً دائماً.
٤) شفافية أكبر في الأجر والمكافآت، لأن الغموض هنا يصنع توتراً دائماً داخل الفرق. وتناقش هارفارد بزنس ريفيو تعقيدات شفافية الأجور وكيف أصبحت ضغطاً تنظيمياً متصاعداً على الشركات.
في النهاية، المشهد المتداول على إكس لا يفضح جيل زد بقدر ما يفضح سؤالاً كان مؤجلاً. ما الذي نعنيه فعلاً بكلمة نمو؟ وما الذي نعنيه فعلاً بروح الفريق؟ وهل ثقافة العمل الصحي تعني إنتاجية أعلى بحدود واضحة، أم تعني تزيين ضغط قديم بمفردات جديدة؟
المصادر:
5.
ماكنزي: What happens when Gen Zers outnumber boomers at work?
منظمة العمل الدولية: Global Employment Trends for Youth 2024.
هارفارد بزنس ريفيو: أبحاث حول شفافية الأجور وآثارها التنظيمية.