تكشف ظاهرة انتشار الصور المضحكة المعروفة باسم الميمز والتي لا تحمل معنى واضحاً، مثل عبارة 6-7، عن تحوّل عميق في أسس تشكّل الثقافة الراهنة، إذ لم تعد الأفكار بحاجة إلى دلالة حقيقية لتنتشر، بل يكفي أن تتوافق مع منطق المنصات الرقمية. وهذه الظاهرة لم تعد محصورة داخل الهواتف، بل امتدت إلى اللغة اليومية، وسلوك الأفراد، وحتى الخطاب السياسي.
التفصيل
تُظهر الأمثلة المتداولة أن كثيراً من صور الميمز المنتشرة بين الأطفال والمراهقين لا تحمل معنى محدداً، لكنها تنتشر بقوة بسبب تكرارها داخل منصات مثل تيك توك وإنستجرام. وهذا الانتشار لا يعتمد على القيمة، بل على القابلية للتقليد وإعادة الإنتاج.
وتشير البيانات الصادرة عن مراكز الأبحاث أن:
- أقلية صغيرة من المستخدمين تنتج غالبية المحتوى.
- نحو ربع الحسابات فقط تقود النشاط الأساسي.
- نسبة محدودة من المستخدمين مسؤولة عن شبه كامل الفيديوهات المنشورة، كما هو الحال في تيك توك.
وهكذا تنشأ بيئة قائمة على النسخ والتكرار، يتحول فيها المستخدم من منتجٍ للأفكار إلى مقلّد لصيغ جاهزة، بهدف الظهور والوصول. ومع الوقت، لا تبقى هذه الصيغ داخل المنصات، بل تنتقل إلى الواقع وتعيد تشكيل اللغة والسلوك.
وهذا الأثر لم ينحصر على الجانب الثقافي فحسب، بل بدأت المؤسسات الحكومية باستخدام الميمز في خطابها، ما يعكس انتقال منطق الإنترنت إلى مجالات يفترض أنها أكثر جدية. كما أن خوارزميات المنصات باتت قادرة على إنتاج “وحدات ثقافية” جديدة بشكل شبه تلقائي، من خلال تحفيز سلوك المستخدمين وتوجيهه.
في المقابل، يصف البعض هذه الحالة باسم “تعفّن الدماغ”، إذ يُعاد تشكيل التفكير نفسه ليتوافق مع قوالب جاهزة من الطُرفات والصياغات، حتى في الأوقات التي لا يُستخدم فيها الهاتف.
ماذا بعد؟
يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع على استعادة توازنه بين الثقافة الرقمية والواقع، في ظل استمرار توسع تأثير المنصات على اللغة والتفكير وصنع القرار.