لم تبدأ دول الخليج هذه الحرب، ولم تسع إليها. ومع ذلك استُهدفت مدنها وبناها التحتية. وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال أبسط من كل وساطات الأشهر الماضية: إذا كانت القوة التي تقصف اليوم تملك هامشاً نووياً كما يزعم مبعوث ترامب، فهل كانت ستتورّع غداً؟
في لحظة من أكثر لحظات المنطقة توتراً، نقل ستيف ويتكوف رواية صادمة عن مسار التفاوض: قال إن المفاوضين الإيرانيين تحدثوا بلا حرج عن امتلاك نحو 460 كيلوغراماً من يورانيوم مخصّب بنسبة 60%، وإنهم يدركون أن هذه الكمية يمكن أن تُترجم إلى ما يكفي لصنع 11 قنبلة نووية، بل قدّموها كنقطة انطلاق لموقفهم التفاوضي.
حتى لو اختلفنا على الدقة الفنية لكل رقم أو على طريقة عرضه، فالقيمة السياسية لهذه الرسالة واحدة: نحن أمام طرف يتعامل مع أخطر ملف في العالم بمنطق الاستعراض والتعالي وليس بمنطق التطمينات.
الآن ضعوا هذه الرواية على الطاولة نفسها مع ما جرى في الخليج منذ اندلاع الحرب على إيران.
في اليوم الأول، استهدفت إيران مواقع في البحرين والكويت وقطر والإمارات، وقابلتها اعتراضات جوية وإصابات وأضرار، وإغلاق مؤقت للمجالات الجوية في أكثر من دولة.
وفي اليوم الثاني، استمرت الانفجارات والضربات على وتيرة متكررة، مع سقوط قتلى وجرحى هنا وهناك!
ثم جاء اليوم الثالث ليكرّس المعنى نفسه: موجة جديدة من صواريخ ومسيرات، وخمس دول خليجية على الأقل أبلغت عن أضرار مادية في الأقل!
أي أننا لا نتحدث عن حادثة منفردة، بل عن سلسلة اعتداءات متتابعة خلال ثلاثة أيام يرافقها اصرار وتعمد عنجهيين، طالت مدناً ومنشآت وبنى تحتية، ودفعت دولاً إلى إجراءات طوارئ مثل إغلاق الأجواء وتعليق بعض الأنشطة.
هنا يصبح الدرس لدول الخليج موجعا رغم بداهته:
فجميع هذه أرسلت إشارات تهدئة. وبعضها تطوع لفتح قنوات وساطة. حاولت تبريد التصعيد. ومع ذلك، حين انفجرت الحرب لم تمنحها هذه الدبلوماسية حصانة من الصواريخ والمسيرات.
إذا كانت هذه القوة لا تتورّع اليوم عن ضرب مناطق مدنية وبنى تحتية لدى الجيران وهي تحت ضغط عسكري تقليدي، فالسؤال الذي يجب أن يُقال بصوت واضح هو: ماذا لو امتلكت مظلة نووية أو قدرة ردع قصوى؟ هل كانت ستكبح يدها أم ستطلقها أكثر؟!
لهذا، فإن الرهان على لغة الدبلوماسية وحدها في مواجهة طرف يتصرف بمنطق الغلبة والخشونة ليس مجرد نوع من ممارسة العقلانية، بل هو مخاطرة مباشرة بأمن هذه الدول واقتصادياتها واستقرار مدنها.
ما المطلوب إذاً؟
إذا لجأنا لتعريف كارل شميت بأن السياسة في جوهرها هي معرفة الفرق بين العدو والصديق، فأن مساعدة الاصدقاء على تدمير امكانات عدو صريح لا يتردد في توزيع رسائله التدمير فوق رؤوس الجميع فبدون تردد ينبغي الاصطفاف الدفاعي الواضح مع الولايات المتحدة في ما يتعلق بحماية الأجواء والمنشآت الحيوية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية والعمل على رفع كلفة الاستهداف سياسياً وقانونياً عبر مواقف موحدة، وتسمية الاعتداءات باعتبارها عدواناً سافراً على سيادة دول الإقليم وليست مجرد نتاج عرضي عابر للحرب كما يرغب العدو بتعريفها عبر تبادل ادوار متناقضة .وعلى الجميع دعم مسار منع البرنامج النووي الإيراني بصرامة: فأي اتفاق لا يزيل تهديد التخصيب ويضع آليات تحقق شديدة هو تأجيل للأزمة لا حل لها.
ليس المطلوب هنا خطاباً انتقامياً، وإنما اعتماد استراتيجية تُحيّد قدرة الطرف المهاجم على تكرار استهداف المدن والبنى التحتية.
فحين تصبح مدننا في مرمى الصواريخ، لا تكفي لغة الدول المتحضرة وحدها. تحتاج بالإضافة إلى قوة التصدي التي اثبتت نجاعتها ، إلى تحالفات صلبة ومتينة مع كل طرف يتشارك معنا الهدف نفسه، وأن نميز الصديق والعدو على اساس المصالح الوطنية وحدها.