EN AR
EN

اليسار المتطرف.. احتجاجات بالجملة ونتائج بالتقسيط!

صفاء صبحي

لم يعد الاحتجاج لدى قطاعات من اليسار المتطرف وسيلة للضغط من أجل تحقيق مطالب سياسية أو اجتماعية محددة، بل تحول في حالات كثيرة إلى غاية بحد ذاته، ومسرح لاستعراض الشعارات والمواقف الأيديولوجية التي تجمع قضايا متباعدة، وأحيانا متناقضة، تحت مظلة واحدة. فمن فلسطين إلى تغير المناخ، ومن حقوق المثليين إلى مكافحة العنصرية والاستعمار، تبدو هذه الحركات وكأنها اكتشفت قضية كونية واحدة تفسر جميع مشكلات العالم، وتضع كل من لا يتبنى أجندتها في خانة الخصوم.

ويُعرف هذا التوجه في بعض الأوساط الإعلامية الغربية بمصطلح القضية الشاملة (Omnicause)، ويقوم على افتراض أن جميع أشكال الظلم مترابطة، وأن الدفاع عن قضية واحدة يفرض تبني بقية القضايا. لكن المشكلة لا تكمن في التضامن مع المظلومين أو الدفاع عن حقوق الإنسان، بل في تحويل هذا التضامن إلى منظومة أيديولوجية مغلقة تخلط بين ملفات لا يجمعها بالضرورة رابط منطقي، وتتعامل معها باعتبارها جبهات لمعركة واحدة ضد الإمبريالية والرأسمالية والاستعمار والصهيونية.

وتكشف شعارات بعض الاحتجاجات في الجامعات الأوروبية والأمريكية حجم هذا الخلط، من المثليين من أجل فلسطين إلى ربط الحرب في غزة بالعدالة المناخية وإصلاح الشرطة وحقوق السكان الأصليين. والمفارقة أن بعض هذه الشعارات تتجاهل تناقضات جوهرية بين القضايا التي تجمعها؛ فحقوق المثليين، مثلا، تصطدم بواقع اجتماعي وسياسي في غزة تحكمه حركة حماس، التي لا تتبنى القيم نفسها التي تدافع عنها الحركات الحقوقية الغربية. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا التناقض يحظى باهتمام مماثل للافتات التي تجمع الطرفين تحت شعار واحد.

ولم تعد هذه العقلية محصورة في الجامعات والشوارع، بل امتدت إلى المؤسسات الثقافية والفنية. ففي بريطانيا، أثارت حملة منظمة كتب خالية من الوقود الأحفوري (Fossil Free Books) جدلا بعدما مارست ضغوطا على مهرجانات ثقافية وشركات راعية بسبب استثمارات لها صلات بإسرائيل. وهكذا انتقل النقاش من الأثر البيئي للاستثمارات إلى معركة سياسية تستهدف المؤسسات الثقافية، وتضعها أمام خيار الخضوع لمطالب الناشطين أو مواجهة المقاطعة والتشهير.

وقد أيد السياسي البريطاني جيريمي كوربين بعض هذه التحركات، معتبرا أن المؤسسات الثقافية مطالبة باتخاذ مواقف سياسية باسم الإنسانية والسلام. لكن تحويل المهرجانات والفعاليات الفنية إلى ساحات لاختبار الولاء الأيديولوجي لا يخدم بالضرورة القضايا المطروحة، بل يهدد استقلال الثقافة والفنون ويجعلها رهينة لضغوط جماعات سياسية.

وتجسد الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ جانبا آخر من هذا التحول. فبعد أن اكتسبت شهرة عالمية باعتبارها وجها لحركة مكافحة التغير المناخي، اتسع نشاطها ليشمل ملفات سياسية واجتماعية متعددة، من الحرب في غزة إلى الاحتجاجات في فرنسا. ولم يعد خطابها محصورا في التحذير من تداعيات الاحتباس الحراري، بل أصبح جزءا من حركة احتجاجية تربط أزمات مختلفة بمعركة واحدة ضد الأنظمة القائمة.

وفي أحدث تحركاتها، أبدت ثونبرغ تأييدها لاحتجاجات شهدتها فرنسا على خلفية خفض الإنفاق على المدارس، رغم أن بعضها شهد إحراق سيارات واعتداءات باستخدام أسلحة بدائية. وبررت موقفها بأن جيلا كاملا نشأ وسط شعور باليأس من المستقبل وفقدان الحقوق، معتبرة أن مقاومة هذا الواقع أمر طبيعي.

لكن التضامن مع المطالب الاجتماعية لا يعني تبرير العنف والفوضى. فالاعتراض على تراجع الإنفاق على التعليم حق مشروع، لكنه لا يمنح المحتجين تفويضا بإحراق الممتلكات أو الاعتداء على الآخرين. كما أن تبني ناشطة بيئية لقضايا متباينة لا يجعلها بالضرورة امتدادا طبيعيا لمعركتها الأصلية، ولا يحول كل احتجاج إلى امتداد لقضية المناخ.

وتكمن المشكلة الأعمق في هذا النمط من النشاط في اختزال التاريخ والسياسة في تفسير واحد يبحث عن مصدر موحد لكل أشكال الظلم. ففي مرحلة كان النظام الأبوي هو العدو الرئيسي، ثم تصدر تفوق العرق الأبيض المشهد، قبل أن تصبح الصهيونية في خطاب بعض الناشطين التفسير الجامع لأزمات العالم. وبدلا من دراسة كل قضية ضمن سياقها التاريخي والسياسي، يجري دمجها في سردية جاهزة تقسم العالم إلى ضحايا وجلادين، ولا تترك مساحة للاختلاف أو مراجعة المواقف.

ولا يعني ذلك أن جميع الاحتجاجات اليسارية تفتقر إلى المشروعية، أو أن قضايا المناخ والحقوق المدنية والفلسطينيين لا تستحق التضامن. لكنها قضايا معقدة، ولا تصبح أكثر قابلية للحل بمجرد جمعها تحت مظلة أيديولوجية واحدة. بل إن هذا الخلط قد يضعف فرص معالجتها، ويحولها إلى منافسة على التعاطف والأولوية، بدلا من البحث عن حلول عملية.

والأكثر إشكالية أن بعض هذه الحركات باتت تقيس نجاحها بحجم الضجيج الذي تحدثه، وعدد المؤسسات التي تضغط عليها، والفعاليات التي تنجح في تعطيلها، لا بما تحققه من نتائج ملموسة. وعندما يصبح إحراق سيارة أو مهاجمة خصم سياسي أو تعطيل مهرجان ثقافي دليلا على التقدم، يكون الاحتجاج قد ابتعد عن أهدافه السياسية والأخلاقية.

في النهاية، ليست كل القضايا قضية واحدة، وليس كل من يختلف مع ناشطي اليسار المتطرف عدوا للعدالة أو متواطئا مع الظلم. فالعالم أكثر تعقيدا من أن تختصره لافتة احتجاجية، والسياسة أكثر صعوبة من أن تدار بالشعارات والغضب الدائم. وربما آن الأوان لبعض هؤلاء الناشطين أن يدركوا أن كثرة الاحتجاجات لا تعني الاقتراب من الحلول، وأن رفع ألف شعار في الشارع لا يعادل تحقيق مطلب واحد على أرض الواقع.

المزيد من المقالات

المزيد من التحليلات ووجهات النظر بقلم هذا الكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا المؤلف حتى الآن.