EN AR
EN

الذكاء الاصطناعي وأرقام التمويل التاريخية: هل بدأ عصر التريليونات؟

ندى سلام

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد صناعة تكنولوجية تتنافس شركاتها على تطوير نماذج أكثر ذكاءً. لقد تحول إلى سوق عالمي لرؤوس الأموال، تتحرك فيه عشرات ومئات المليارات من الدولارات، وتُمنح فيه شركات لم تكمل عقدها الأول تقييمات تقترب من أكبر المؤسسات الاقتصادية في العالم.

الأرقام وحدها تكفي لفهم حجم التحول.

في مارس 2026، أعلنت أوبن إيه آي جمع 122 مليار دولار في جولة تمويلية رفعت تقييمها إلى 852 مليار دولار. وبعد أشهر قليلة، دخلت الشركة مفاوضات لجمع تمويل إضافي يصل إلى 30 مليار دولار، بتقييم مستهدف يبلغ 1.25 تريليون دولار، قبل احتساب الأموال الجديدة. لكن تقريراً نشرته وول ستريت جورنال في نهاية أكتوبر أشار إلى تعهدات بنحو 11 مليار دولار فقط، ما يوضح أن شهية المستثمرين ليست بلا حدود.

أما أنثروبيك، المطورة لنظام كلود، فجمعت 65 مليار دولار في مايو، بتقييم بلغ 965 مليار دولار. ثم تقدمت في أكتوبر بأوراق طرحها للاكتتاب العام، وسط تقديرات تشير إلى تقييم محتمل يتراوح بين 1.5 و2 تريليون دولار.

هذه الأرقام غير مسبوقة بالنسبة إلى شركات ذكاء اصطناعي حديثة التأسيس، لكنها تحتاج إلى قراءة اقتصادية تتجاوز عناوين التمويل الضخمة.

فالتمويل ليس إيراداً، والتقييم ليس ثروة نقدية، والنمو لا يعني بالضرورة تحقيق الأرباح.

عندما تحصل شركة على تقييم بتريليون دولار، فهذا لا يعني أنها تمتلك تريليون دولار في حساباتها. إنه سعر تقديري لحقوق ملكيتها، يستند إلى توقعات المستثمرين بشأن قدرتها على توليد إيرادات وأرباح وتدفقات نقدية مستقبلاً.

وهنا تكمن خصوصية اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

فالشركات تحتاج إلى استثمارات هائلة في مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والطاقة والمهندسين. وكلما ازدادت قدرات النماذج، ارتفعت الحاجة إلى بنية حاسوبية قادرة على تدريبها وتشغيلها لملايين المستخدمين.

وتنشأ معادلة مالية غير مألوفة: الشركات تجمع الأموال من عمالقة التكنولوجيا الذين يقدمون لها أيضاً خدمات الحوسبة والبنية التحتية. وهكذا تتحول أجزاء من التمويل الاستثماري إلى إيرادات للممولين أنفسهم.

هذا الترابط لا يجعل الاستثمار وهمياً، لكنه يفرض سؤالاً حول حجم الطلب النهائي المستقل عن العلاقات المالية بين الشركات.

وتقدم أنثروبيك مثالاً آخر. فرغم تسجيل إيرادات تجاوزت 16 مليار دولار في النصف الأول من 2026، أعلنت خسارة صافية بلغت 80.7 مليار دولار، ارتبط معظمها بتعديلات محاسبية غير نقدية. والفارق بين الخسائر المحاسبية والإنفاق النقدي ضروري لتقييم قدرتها على الاستمرار.

أما بالنسبة إلى المستثمرين، فالمعادلة تقوم على ثلاثة متغيرات: سرعة نمو الإيرادات، وتراجع تكلفة الحوسبة، وقدرة الشركات على الاحتفاظ بهوامش ربح مجزية مع اشتداد المنافسة.

ومن منظور الاقتصاد العالمي، تمثل هذه الموجة انتقالاً لرأس المال نحو بنية تحتية قد تصبح بأهمية الكهرباء والاتصالات والإنترنت. لكنها تثير أيضاً تساؤلات حول تركّز القوة الاقتصادية في عدد محدود من الشركات والمستثمرين.

ليس السؤال الآن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد؛ فقد بدأ ذلك بالفعل.

السؤال هو ما إذا كانت الأرباح المستقبلية ستبرر الأموال التي تُستثمر اليوم.

فالتاريخ الاقتصادي لا يقيس الثورات التكنولوجية بحجم الأموال التي جمعتها، بل بالقيمة التي استطاعت إنتاجها بعد انتهاء حمى التمويل.

المزيد من مقالات ندى سلام

المزيد من التحليلات ووجهات النظر بقلم هذا الكاتب