EN AR
EN

شمال إفريقيا بين نموذجين: رهان أبوظبي على استقرار الرباط ومأزق القطيعة الجزائرية

د. عبد الرحمن الظاهري

 

في السياسة الخارجية المعاصرة، ثمة فارق جوهري وحاسم بين دولة تملك موارد ضخمة ودولة تملك القدرة على إدارة التزاماتها وتثبيت بوصلتها الاستراتيجية عبر الزمن. فالشراكات الكبرى التي تمتد لعقود لا تُبنى على حسابات العوائد المؤقتة أو حجم الأسواق المجردة، بل ترتكز على سلعة هي الأندر والأعلى كلفة في الإقليم: استقرار مركز القرار السيادي والقدرة على التنبؤ بسلوك الدولة. من هذه الزاوية بالتحديد، تتكشف الدوافع العميقة وراء السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة في شمال إفريقيا؛ حيث اتجهت أبوظبي نحو بناء تحالف عضوي ومتكامل مع المملكة المغربية، في وقت انحدر فيه المسار مع الجزائر نحو عزلة متزايدة وأفق مغلق انتهى بقرار الأخيرة قطع العلاقات الدبلوماسية في سبتمبر 2026.
تستند الشراكة الإماراتية-المغربية إلى توافق استراتيجي عميق؛ قوامه التلاقي بين نموذج دولة الإمارات القائم على استقرار الحكم الاتحادي وتماسك قيادته ورؤيته التنموية بعيدة المدى، والملكية الدستورية المغربية ذات المرجعية السيادية الراسخة القادرة على تحصين الثوابت من التقلبات الظرفية. ورغم أن المغرب يعيش حيوية سياسية وتعددية برلمانية تفضي إلى تداول الحكومات وتغير التحالفات الحزبية، فإن المؤسسة الملكية تظل صمام الأمان والضامن الأعلى لثبات التوجهات الكبرى للدولة. هذا المعطى السياسي يمنح أبوظبي، التي ترتكز فلسفتها التنموية على التخطيط طويل الأجل وتنفيذ المشاريع الكبرى، شريكاً يتمتع بالمصداقية والاستمرارية المؤسسية. ولم تكن المحطات الكبرى بين العاصمتين، مثل زيارة الملك محمد السادس إلى الإمارات في ديسمبر 2023 وما تمخض عنها من تفاهمات بنيوية في مجالات الطاقة المتجددة والموانئ وتحلية المياه والأسواق المالية، مجرد مجاملات بروتوكولية؛ بل جسدت التقاءً حقيقياً بين رؤية إماراتية تملك رأس المال والقدرة التنفيذية، وبيئة مغربية توفر الموثوقية القانونية والسياسية.
يتجاوز المغرب في الحسابات الإماراتية فكرة السوق الاستهلاكية؛ إذ يمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية بالغة الأهمية تربط بين القارة الإفريقية وأوروبا والمحيط الأطلسي. إن مساعي الإمارات لترسيخ موقعها كقوة رائدة في قطاعات الخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ وسلاسل التوريد وجدت في البنية التحتية المغربية، من ميناء طنجة المتوسط إلى الموانئ الأطلسية الصاعدة، منصة مثالية للتمدد نحو أسواق غرب إفريقيا الواعدة. والأهم أن هذا التشابك الاقتصادي بُني على قاعدة صلبة من التوافق السياسي؛ إذ حسمت أبوظبي موقفها مبكراً بالاعتراف العملي بالوحدة الترابية للمغرب، وافتتحت قنصلية عامة في مدينة العيون عام 2020. في المقابل، تدرك الرباط أن الاستثمارات القادمة من الخليج العربي لا تمثل أدوات ضغط سياسي، بل تشكل رافعة لتنمية متبادلة تحصن الاستقرار الإقليمي المشترك.
على النقيض من هذه الديناميكية البراغماتية، تتجلى الحالة الجزائرية كنموذج صارخ لإهدار الفرص وتراجع الفاعلية الإقليمية. تمتلك الجزائر ثقلاً جغرافياً هائلاً واحتياطات ضخمة من المحروقات، لكنها تفتقر إلى المرونة اللازمة لتحويل هذه المزايا إلى شراكات دولية منتجة. فاقتصادها ما زال أسيراً لنموذج ريعي منغلق، وبيروقراطية ثقيلة تتردد طويلاً أمام الانفتاح، وتتعامل مع تدفقات رؤوس الأموال بعين الشك الأمني بدلاً من منطق الفرصة التنموية. غير أن المأزق الأكبر يظل سياسياً بامتياز؛ إذ ظلت الدبلوماسية الجزائرية رهينة لعقيدة “المباراة الصفرية”، وقرأت كل اختراق استثماري أو سياسي تحققه الرباط باعتباره تهديداً وجودياً لنفوذها. هذا التوجس المفرط جعل الجزائر تفسر التحركات الإماراتية في شمال إفريقيا والساحل من منظور التآمر والعداء، وصولاً إلى التصعيد وقطع العلاقات، في خطوة تكشف عجزاً بنيوياً عن مجاراة لغة المصالح الحديثة.
تكشف المقارنة بين المسارين حقيقة راسخة في السياسة الدولية: القوة الحقيقية في القرن 21 لم تعد تُقاس ببراميل النفط المودعة في باطن الأرض ولا بالخطابات الدفاعية، بل بالقدرة على اجتذاب الحلفاء وبناء الشبكات الاقتصادية وتأمين الممرات الحيوية. لقد نجح المغرب، بملكيته الدستورية ومؤسساته، في تقديم نفسه كدولة مستقرة قادرة على حماية التزاماتها وصناعة مستقبلها الاقتصادي، فاستحق أن يكون ركيزة الرهان الإماراتي في المنطقة. وفي المقابل، اختارت الجزائر التمترس خلف خلافاتها التاريخية وجدران العزلة، لتفقد هامش مناورتها تدريجياً في جوارها المغاربي وعمقها الإفريقي. في نهاية المطاف، لا تنتظر الجغرافيا السياسية الدول المترددة؛ ومن يفضل القطيعة على البراغماتية يجد نفسه محاصراً بقراراته، بينما يمضي الآخرون في إعادة رسم خرائط النفوذ والاستقرار.