EN AR
EN

إيران تتسول اتفاقاً رفضته سابقاً.. هل غيّر الحصار حساباتها؟

آحمد كاوة

لم تعد المسألة بالنسبة إلى إيران تتعلق بالشعارات التي ترفعها عن الصمود والانتصار، بل بالسؤال الأكثر إلحاحاً: كيف تخرج من مواجهة عسكرية واقتصادية طويلة دون أن تقدم تنازلات تبدو أمام جمهورها اعترافاً بفشل حساباتها؟

ففي 24 أكتوبر، أعلن السفير الإيراني لدى باكستان رضا أميري مقدم استعداد طهران لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، استناداً إلى اتفاق يونيو الذي توسطت فيه إسلام آباد والدوحة. وقال إن بلاده نقلت عبر الوسيط الباكستاني استعدادها لإعادة فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحصار البحري الأميركي.

المفارقة أن طهران رفضت في مارس مقترحاً أميركياً من 15 بنداً، تضمن قيوداً على برنامجها النووي والصواريخ الباليستية وإعادة فتح هرمز، قبل أن تقدم شروطاً مضادة. واليوم تعود للبحث عن تسوية، وإن لم يثبت أنها قبلت الشروط الأميركية التي رفضتها سابقاً.

قبل أربعة أيام فقط، أبلغت القيادة الإيرانية قائد الجيش الباكستاني عاصم منير أنها لن تدخل مفاوضات مع واشنطن قبل تلبية مطالبها السبعة. لكن الرئيس مسعود بزشكيان عاد السبت ليؤكد ضرورة محاولة التوصل إلى اتفاق مجدداً، رغم تحميله الولايات المتحدة مسؤولية إفشال المحادثات السابقة.

هذا التباين يطرح سؤالاً عن القيمة العملية للتشدد الإيراني. فالإصرار على شروط مسبقة لا يضمن تحقيقها، خصوصاً عندما يمتلك الطرف الآخر أدوات ضغط عسكرية واقتصادية، بينما تحتاج طهران إلى تخفيف الحصار واستعادة حركة الملاحة.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست محسومة. فقد نقلت وكالة تسنيم عن مصدر إيراني نفيه تقديم عرض جديد يقوم على مبادلة فتح هرمز برفع الحصار الأميركي، مؤكداً التمسك بخطة إيرانية سابقة. وهكذا تبقى هناك روايتان متعارضتان داخل التغطية المتاحة، لا يجوز تجاهل إحداهما.

المشكلة الأعمق أن القيادة الإيرانية جعلت من رفض التنازلات معياراً للقوة السياسية. لكنها تواجه الآن كلفة استمرار الحرب، وصعوبة تحويل الصمود العسكري إلى مكاسب دبلوماسية قابلة للاستمرار.

أما واشنطن، فلا تواجه ضرورة قبول صيغة الاتفاق لمجرد أن طهران أعادت طرح التفاوض. فالخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات وحرية الملاحة لا تزال قائمة، والعودة إلى طاولة المفاوضات لا تعني الاتفاق على نتائجها.

يمكن قراءة التحرك الإيراني بوصفه محاولة لتقليل الخسائر، وليس بالضرورة استسلاماً. لكن المفارقة السياسية تبقى واضحة: المفاوضات التي قُدمت سابقاً باعتبارها تنازلاً غير مقبول أصبحت اليوم خياراً تسعى طهران إلى إحيائه.

والسؤال لم يعد ما إذا كانت إيران تستطيع مواصلة المواجهة، بل ما الثمن الذي ستدفعه قبل أن تقبل بتسوية كان ممكناً التفاوض بشأنها قبل أشهر.