صفاء صبحي
الفكرة الأساسية من وراء أي عملة في العالم هي الثقة.
في المتحف البريطاني، هناك رقيم طيني بحجم البوصة يمكن اعتباره اقدم عملة في التاريخ وتعود إلى 4 الاف سنة، لان مكتوب عليها: تصرف لحامل هذه القطعة أوقيتين من الحنطة ودنانين من البيرة.
كانت هذه القطع الطينية رائجة وتمنح كأجر او مكافئة وتستبدل بالسلع عند مخازن المملكة البابلية.
الثقة، وليس غطاء الذهب، ولا توفر الدولارات في الأسواق، ولا تثبيت سعر الصرف، ولا تعويمه، ولا كون العملة مصنوعة من معادن نفيسة او من الورق او الطين، ولا أي شيء آخر، باستثناء الثقة.
أنت تثق بالبنك المركزي الأمريكي، ولذلك تقبل اخذ ورقة نقدية من فئة 100 دولار، كقيمة لجهد او سلعة، وتثق بأنك قادر على استبدالها بما يعادل قيمتها من الذهب أو أي سلعة أو خدمة أخرى.
إذا انعدمت ثقتك بالبنك المركزي الأمريكي، فلن تقبل عملته التي يصدرها، وستسارع إلى استبدالها بعملات تصدرها بنوك مركزية أخرى تتمتع بثقة أكبر لديك.
وعوامل تعزيز الثقة أو تقويضها كثيرة، في مقدمتها الاستقرار السياسي، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، وبرامج التنمية الطموحة، والشفافية في أداء الحكومة والشركات، وقوة القانون، واستقلالية القضاء، فضلاً عن وفرة الثروات البشرية والطبيعية.
لماذا لا يتغير سعر صرف الدينار الكويتي مثلا، إلا في هامش ضئيل جداً؟
لأن الكويتيين لديهم ثقة كبيرة بعملتهم، ولذلك لن يهرعوا إلى مكاتب الصرافة لاستبدال الدينار بعملات أخرى عند وقوع أي حدث سياسي أو اقتصادي، أو حتى كارثة طبيعية أو وباء وما شابه.
والحال نفسه ينطبق، بدرجات متقاربة، على الإمارات والبحرين وعمان والسعودية والاردن وسويسرا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا وألمانيا.
في العراق، تعرضت العملة لهزة عميقة في الثقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، جراء الحرب مع إيران، ثم حرب الكويت والعقوبات الأممية، إلى جانب سلسلة من القرارات المالية التي حطمت الثقة بالعملة تماماً، وفي مقدمتها الإفراط في طباعة النقود في مطلع التسعينيات.
كنت أتمنى أن يحاكم صدام على جريمة طباعة العملة بشكل مفرط، لأن هذه الجريمة أضرت بكل العراقيين، ودمرت مدخراتهم، وخفضت قيمة أصولهم، ونشرت الفقر بينهم، وأنهت ثقتهم بعملتهم.
واليوم، وبعد 23 عاماً، من زوال حكم صدام، لم تستطع حكومات المنطقة الخضراء في بغداد استعادة الثقة بعملة البلد، بسبب عدم استقرار الوضع السياسي، والحروب الأهلية، والفساد، وضعف السلطات التنفيذية، وغياب استقلالية القضاء.