صفاء صبحي
لم يعد التحرك الإماراتي في الإقليم يقتصر على إدارة الأزمات أو التعامل مع تداعياتها، بل بات جزءاً من مسار أوسع لإعادة تشكيل معادلة الأمن والسلام في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تكتسب اللقاءات والتحركات التي تستضيفها أبوظبي أهمية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، خصوصاً عندما تتصل بأمن الخليج والبحر الأحمر ومواجهة التهديدات التي تفرضها إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أبوظبي تعمل على توسيع مساحة التنسيق بين الأطراف الإقليمية، مستفيدة من علاقاتها المتعددة مع دول عربية وإسرائيل والولايات المتحدة. وهذا النهج يعكس إدراكاً بأن التحديات الأمنية في المنطقة لم تعد منفصلة عن بعضها؛ فتهديد الملاحة في البحر الأحمر يرتبط بأمن الخليج، وأمن المنشآت الحيوية يرتبط بأمن الطاقة والتجارة، فيما أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة أدوات قادرة على نقل الصراع من ساحة إلى أخرى خلال وقت قصير.
ومن هنا تبدو أهمية المقاربة الإماراتية التي تحاول الجمع بين الدبلوماسية وبناء القدرة على الردع. فالحوار وحده لا يكفي عندما تكون هناك أطراف تستخدم القوة لفرض وقائع جديدة، كما أن القوة العسكرية وحدها لا توفر تسوية دائمة للصراعات. الأمن المستدام يحتاج إلى قدرة على حماية المصالح الحيوية، بالتوازي مع فتح قنوات سياسية تمنع تحول المواجهات المؤقتة إلى صراعات مفتوحة.
وقد شكلت اتفاقات إبراهيم نقطة تحول مهمة في هذا المسار، ليس فقط لأنها نقلت العلاقات بين إسرائيل والإمارات إلى مستوى رسمي، وإنما لأنها أوجدت إطاراً جديداً للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني. وبغض النظر عن الخلافات السياسية التي ما زالت تحيط بالمنطقة، فإن إقامة قنوات اتصال مباشرة بين أطراف كانت علاقاتها محدودة أو غير موجودة تمثل تغيراً في طبيعة البيئة الإقليمية.
وفي المقابل، فإن تصاعد نشاط الحوثيين والهجمات التي طالت الملاحة والمنشآت والبنية التحتية في المنطقة أظهر حدود قدرة الدول منفردة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود. فالممرات البحرية لا تخص دولة واحدة، وأمن الطاقة لا يمكن فصله عن أمن التجارة العالمية، كما أن انتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى جعل الدفاع الإقليمي أكثر اعتماداً على تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول.
لهذا السبب، فإن التعاون في مجال الدفاع الجوي والإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية يمكن أن يشكل أحد مكونات منظومة أمن إقليمية جديدة. غير أن أهمية هذه القدرات لا تكمن في تحويل المنطقة إلى ساحة تحالفات عسكرية مغلقة، بل في استخدامها لحماية الدول ومنع الاعتداءات وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للحلول السياسية.
وفي مواجهة إيران، تبرز الحاجة إلى هذه المعادلة بصورة أوضح. فالسياسة الإقليمية التي تعتمد على أدوات الضغط والوكلاء المسلحين والصواريخ والطائرات المسيّرة تفرض على الدول المجاورة البحث عن وسائل أكثر فاعلية لحماية أراضيها ومصالحها. لكن الردع، لكي يكون منتجاً على المدى الطويل، يحتاج إلى مسار سياسي يضع حدوداً واضحة للتصعيد ويفتح المجال أمام ترتيبات أمنية أكثر استقراراً.
وهنا يمكن فهم الدور الذي تحاول الإمارات الاضطلاع به باعتباره محاولة للربط بين مسارين غالباً ما جرى التعامل معهما باعتبارهما متعارضين: بناء القوة اللازمة لحماية الأمن، وتوسيع العلاقات والاتصالات التي تفتح الطريق أمام التسويات. فالدبلوماسية لا تعني التخلي عن الردع، كما أن الردع لا ينبغي أن يعني إغلاق أبواب الحوار.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية بسبب الموقع الجغرافي والاقتصادي للإمارات. فالدولة تقع في قلب شبكة من طرق التجارة والطاقة والموانئ التي تربط الخليج بالبحر الأحمر والمحيط الهندي، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذه المسارات ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، فإن الاستثمار في الاستقرار الإقليمي ليس منفصلاً عن المصالح الاقتصادية، بل يمثل أحد شروط استمرارها.
كما أن الإمارات، من خلال علاقاتها المتشعبة، تمتلك قدرة على التواصل مع أطراف مختلفة في المنطقة، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك في ملفات يصعب على بعض الدول التعامل معها بصورة مباشرة. وهذه المساحة لا تعني بالضرورة القدرة على حل جميع الأزمات، لكنها توفر قناة إضافية يمكن استخدامها لتخفيف التوتر، وبناء التفاهمات، وربط المصالح الأمنية بالمسارات السياسية والاقتصادية.
والأهم أن بناء الأمن الإقليمي لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع لمواجهة دولة بعينها فحسب، بل إلى إطار لحماية الدول والممرات البحرية والمنشآت الحيوية ومنع استخدام القوة لفرض التغيير السياسي. فإذا نجحت الدول المعنية في تحويل التعاون الأمني إلى مؤسسات وآليات مستدامة، فقد يصبح بالإمكان الانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى منظومة أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى حروب واسعة.
في هذا السياق، تستحق الجهود الإماراتية في تعزيز التعاون الإقليمي وفتح مسارات للحوار والسلام اهتماماً أكبر، لأنها تنطلق من حقيقة أساسية مفادها أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق من خلال القوة وحدها ولا من خلال الدبلوماسية وحدها. المطلوب هو بناء توازن يجعل الاعتداء أكثر كلفة، والحوار أكثر فاعلية، والتعاون الإقليمي أكثر حضوراً في حسابات الدول والجماعات المسلحة.
وهذه ربما هي النقطة الأهم في التجربة الإماراتية: محاولة الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى المساهمة في تشكيل بيئة إقليمية تقل فيها فرص اندلاعها من الأساس. وبينما تبقى نتائج هذا المسار مرتبطة بتطورات المنطقة ومواقف القوى المختلفة، فإن الجمع بين العلاقات الدبلوماسية، والتعاون الاقتصادي، والقدرات الدفاعية، والانفتاح على ترتيبات السلام، يقدم نموذجاً مختلفاً عن الحلقة التقليدية التي ظل الشرق الأوسط يدور فيها بين التصعيد والتهدئة.
وفي منطقة تتقاطع فيها التهديدات الإيرانية مع أمن الخليج والبحر الأحمر، وتتشابك فيها ملفات الطاقة والتجارة والدفاع والدبلوماسية، فإن بناء شبكة من المصالح المشتركة وآليات التنسيق الأمني يمكن أن يكون أحد المسارات التي تساعد على إعادة تعريف الاستقرار الإقليمي. ومن هذه الزاوية، فإن دور الإمارات لا يقتصر على حماية مصالحها الوطنية، بل يرتبط أيضاً بمحاولة توسيع هامش الخيارات أمام المنطقة بين الحرب المفتوحة والسلام الهش، نحو صيغة تجمع بين الردع والحوار والتعاون.