EN

سماء من دون طيران طائفي ونصف سيادة ليست وطناً

ندى سلام

لم تكن الطائرات الإيرانية التي تهبط في مطار محافظة العراقية مجرد وسيلة نقل حين توقف استقبالها. ففي السجال الذي تلا القرار، تحولت إلى امتحان للولاء المذهبي: فمن يعترض على الحظر هو من  يحمي” المقدسات”، ومن يقبله يتهمونه بالتفريط بها. هكذا تبدأ المتاجرة بالمقدس؛ يُختزل حق المؤمن في زيارة مرقد بحق شركة طيران بعينها في الهبوط بمطار عراقي حتى لو كانت معدة لتهريب الأموال والسلاح.

جاء تعليق الرحلات بعدما حذرت الولايات المتحدة من تبعات تقديم الخدمات لشركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات. واستجابت المطارات العراقية، بينها بغداد والنجف، بتوجيه جاء من مكتب رئيس الوزراء علي الزيدي. ربما سيكون من المشروع الاعتراض على العقوبات الأميركية، وربما من المشروع مساءلة الحكومة عن أسباب امتثالها لها وكلفته على المسافرين. لكن الاعتراض السياسي ذي البعد المذهبي يفقد معناه حين يصبح المطار ميداناً لإثبات الانتماء الطائفي.

لقد عبّرت القنصلية الإيرانية في النجف عن هذا المنطق بأوضح صوره، حين تساءلت كيف يُغلق مطار مدينة تضم مرقد الإمام الأول للشيعة أمام «أكبر دولة شيعية في العالم». السؤال متحامل، لكنه يبدّل موضوع النقاش عمداً: القرار يخص الرحلات الجوية بين دولتين، أما المرقد فليس ملكاً لدولة ولا شركة طيران ولا سلطة سياسية. قد يتضرر الزائر من إلغاء رحلته، وهذا ضرر حقيقي. أما تحويل مشقته إلى حجة تمنح طهران حقاً خاصاً في سماء العراق، فهو مصادرة” للمقدس” باسم حمايته.

وفي الداخل العراقي، لم يكتفِ بعض حلفاء إيران بالاحتجاج. فزعيم حركة النجباء الموالية للحرس الثوري الإيراني، أكرم الكعبي، إلى الاستعداد للاعتصام داخل المطارات إذا لم تُستأنف الرحلات. هنا يظهر السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط الصراخ: هل تستطيع الحكومة إدارة مطارات بلدها عندما يختلف معها فصيل مسلح، أم تصبح الحركة الجوية رهينة قدرته على الحشد؟ السيادة لا تتحقق بترديدها ضد واشنطن ثم تعليقها عند حدود علاقة التبعية  مع طهران. إذا كان القرار الأميركي يضغط على العراق، فذلك سبب لمحاسبة الحكومة على خياراتها والبحث عن بدائل تحمي العراقيين. وهو ليس ترخيصاً لأي جماعة عابرة للحدود بأن تحدد، نيابة عن الدولة، أي طائرة تهبط وأي قرار يُنفذ. العراقي الذي يؤيد سلطة حكومته على المطار لا يعلن عداءه للإيرانيين، كما أن العراقي الذي يقلق على المرضى والطلاب والزوار لا يصبح تابعاً خانعاً لإيران.

السماء العراقية ليست ملكا لمذهب أو لطائفة أو لجماعة لا تعترف بسيادة بلدها. و”المقدسات” أوسع من أن تُباع في معركة مزايدات، أو تُستعمل لانتزاع امتياز سياسي من دولة يفترض أنها صاحبة القرار على أرضها وليست حديقة خلفية لغيرها.