EN

أوفاكوي–فيشخابور: هل التقت بغداد وأنقرة وطهران على تجاوز كردستان؟

أحمد كاوه

لم يعد الحديث عن منفذ فيشخابور–أوفاكوي مجرد فكرة على خرائط مشروع «طريق التنمية». بغداد وأنقرة انتقلتا إلى الإجراءات التنفيذية لتفعيل المعبر الجديد وربطه بالممر الاستراتيجي الممتد من ميناء الفاو إلى تركيا وأوروبا، في خطوة تحمل وراء بعدها الاقتصادي سؤالاً سياسياً أكثر حساسية: لماذا اختير مسار يتجاوز إقليم كردستان ومعبَره التجاري الرئيسي مع تركيا؟

التحرك الأخير يستند إلى مذكرة تفاهم وقعتها وزارتا النقل العراقية والتركية في 28 يوليو/تموز 2026، وتتضمن إنشاء معبر جديد وزيادة طاقة النقل البري والسككي وتسريع البنية التحتية المرتبطة به. وفي اجتماعات أنقرة الأخيرة، قالت هيئة المنافذ الحدودية العراقية إن الطرفين انتقلا فعلياً من التفاهمات إلى التنفيذ.

المسألة المهمة تكمن في الجغرافيا السياسية للطريق.

فالمعبر الرئيسي الحالي بين العراق وتركيا، إبراهيم الخليل–خابور، يقع تحت إدارة إقليم كردستان. أما أوفاكوي فيمنح بغداد ممراً مباشراً إلى تركيا يمكن أن ينقل جزءاً مهماً من التجارة والترانزيت بعيداً عن البوابة الكردية. وهذا تحديداً ما يجعل المشروع أكبر من مجرد إضافة منفذ حدودي جديد.

بالنسبة لبغداد، تبدو المصلحة واضحة: إعادة جزء من حركة التجارة الدولية والإيرادات والسيطرة على الحدود إلى السلطة الاتحادية، وربط المشروع الاقتصادي الأكبر في العراق مباشرة بالدولة المركزية. وقد دافعت الحكومة سابقاً عن المسار باعتبارات الكلفة والتضاريس؛ إذ قالت إن المرور داخل كردستان سيضيف نحو ثلاثة مليارات دولار إلى المشروع ويؤخر مرحلته الأولى عامين. لكن باحثين رأوا أن العامل السياسي لا يقل أهمية، وأن خلاف بغداد وأربيل الممتد منذ استفتاء الاستقلال عام 2017 حاضر في خلفية القرار.

أما تركيا، فلديها حساب آخر. أوفاكوي يمنحها اتصالاً تجارياً مباشراً مع العراق الاتحادي، ويقلل اعتماد الطريق الاستراتيجي على منطقة كردية تتداخل فيها أيضاً حسابات حزب العمال الكردستاني والأمن الحدودي التركي. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن أنقرة تريد إضعاف أربيل بصورة مطلقة؛ فتركيا بنت خلال العقدين الماضيين مصالح اقتصادية وأمنية واسعة مع حكومة الإقليم، وهو ما يجعل سياستها أقرب إلى تنويع أوراق النفوذ منها إلى قطع العلاقة مع كردستان. 

وأين إيران؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.

لا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تثبت أن طهران دفعت بغداد إلى اختيار أوفاكوي أو شاركت في الاتفاق العراقي–التركي. بل إن المفارقة أن إيران نفسها ليست شريكاً في «طريق التنمية»، وهناك تقديرات بحثية تعتبر المشروع منافساً لمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.

لكن النتيجة السياسية للمسار تتقاطع مع مصلحة إيرانية واضحة: كردستان أقل استقلالاً اقتصادياً وأكثر ارتباطاً ببغداد.

طهران تنظر منذ سنوات بحساسية شديدة إلى استقلال القرار الكردي، وإلى وجود المعارضة الكردية الإيرانية والعلاقات الكردية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي 2026 وصلت المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة، مع تعرض الإقليم لمئات الهجمات الإيرانية أو المنسوبة إلى جماعات عراقية مرتبطة بطهران، واستهداف منشآت أمنية واقتصادية ومواقع للمعارضة الكردية.

وهنا تكمن المفارقة: قد لا تكون إيران صاحبة فكرة أوفاكوي، لكنها قد تكون أحد المستفيدين السياسيين منها.

فإذا أصبح طريق التنمية شريان العراق التجاري الأكبر نحو أوروبا، بينما بقي إقليم كردستان خارجه، فإن أربيل لن تخسر مجرد رسوم عبور. إنها قد تخسر جزءاً من أهميتها الجيوسياسية بوصفها البوابة التي لا يمكن تجاوزها بين العراق وتركيا.

لذلك قد يكون أوفاكوي نقطة نادرة التقت عندها ثلاث حسابات مختلفة: تركيا تريد ممراً آمناً ومباشراً، بغداد تريد استعادة الجغرافيا الاقتصادية للدولة الاتحادية، وإيران تستفيد من عراق تكون فيه أربيل أقل قدرة على التصرف ككيان اقتصادي مستقل.

لم تتشكل جبهة ثلاثية معلنة ضد كردستان، لكن الجغرافيا قد تحقق ما لم يحتج إلى اتفاق سياسي مكتوب.