د. عبد الرحمن الظاهري
الاختلاف بين الأمن القومي الإماراتي والأمن القومي الإيراني لا يتعلق بحجم القوة العسكرية أو نوع السلاح بقدر ما يرتبط بفلسفة الأمن نفسها. فدولة الإمارات العربية المتحدة تنطلق من أن أمنها يتعزز باستقرار المنطقة، وانفتاح التجارة، وأمان الممرات البحرية، واستمرار التنمية. في المقابل، بنت إيران جانباً أساسياً من عقيدتها الأمنية على إبعاد مصادر التهديد عن حدودها وصناعة عمق استراتيجي خارج أراضيها.
الأمن الإماراتي يبدأ من الداخل ويتجه إلى الخارج. حماية الدولة والسكان والاقتصاد والمنشآت الحيوية والموانئ والطاقة والمياه والتكنولوجيا والاستثمارات تقع في صميم هذه الرؤية. لذلك، فإن استقرار الخليج العربي ليس مسألة سياسية منفصلة عن الأمن الوطني، بل شرط أساسي لاستمرار النموذج الاقتصادي الإماراتي. وكل تهديد للملاحة أو تصعيد بالصواريخ والمسيّرات يضغط مباشرة على هذه المعادلة.
أما إيران، فتتحرك وفق تصور مختلف يقوم، بدرجة أكبر، على استخدام الخارج لحماية الداخل. وقد ساهمت تجربة ما بعد ثورة 1979، والحرب العراقية الإيرانية، والوجود العسكري الأميركي حول إيران، والصراع مع إسرائيل والعقوبات الدولية، في ترسيخ قناعة لدى طهران بأن مواجهة التهديد عند الحدود قد تكون متأخرة. لذلك استثمرت في الصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية غير المتماثلة، إلى جانب علاقاتها مع قوى إقليمية مسلحة.
يمكن اختصار الفارق بالقول إن الإمارات تريد تقليص مساحة الصراع المحيطة بها، بينما تسعى إيران إلى توسيع مساحة الردع بعيداً عن حدودها. الإمارات تستفيد من خليج عربي أقل عسكرة وأكثر ارتباطاً بالتجارة والاستثمار، فيما ترى إيران أن قدرتها على التأثير خارج أراضيها تمنحها أوراقاً تمنع خصومها من فرض المواجهة بشروطهم.
هنا تظهر المعضلة الأمنية بين الطرفين. فما تعتبره طهران دفاعاً متقدماً عن أمنها قد تعتبره الإمارات ودول أخرى مصدراً لعدم الاستقرار. وفي المقابل، قد تنظر إيران إلى الشراكات الدفاعية التي تراها أبوظبي ضرورية لحماية أراضيها ومصالحها باعتبارها اقتراباً عسكرياً من حدودها.
وتبقى قضية الجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، خلافاً سيادياً مباشراً لا يمكن فصله عن العلاقة بين البلدين. بالنسبة إلى الإمارات، ترتبط القضية بالسيادة ووحدة الأراضي، ولذلك تبقى حاضرة مهما توسعت المصالح الاقتصادية أو قنوات الحوار مع طهران.
مع ذلك، لا يعني اختلاف فلسفتي الأمن أن المواجهة حتمية. فالجغرافيا تفرض على الإمارات معادلة دقيقة: ردع إيران من دون تحويلها إلى عدو دائم، والتعامل معها من دون منحها القدرة على تهديد المصالح الإماراتية.
هذه المعادلة تتطلب الحفاظ على تفوق نوعي في الدفاع الجوي والصاروخي والأمن السيبراني والاستخبارات وحماية المنشآت الحيوية والموانئ والطاقة والمياه، بالتوازي مع إبقاء قناة سياسية مباشرة مع طهران. فالردع من دون اتصال يرفع مخاطر سوء الحساب، بينما الاتصال من دون قدرة على الردع قد يفقد السياسة فاعليتها.
جوهر التحدي، إذن، ليس في تبني النموذج الإيراني لمواجهته، وإنما في جعل النموذج الإماراتي أكثر قدرة على الصمود: اقتصاد قوي، جيش نوعي، أمن داخلي متماسك، دفاع تكنولوجي متقدم، شراكات دولية متعددة، وسياسة خارجية تجمع بين الردع والحوار.
أمن الإمارات لا يتحقق بتحويل المنطقة إلى ساحة نفوذ إماراتية في مواجهة ساحة نفوذ إيرانية. يتحقق عندما تكون قدرة أي طرف على تهديد الدولة ومصالحها محدودة، فيما تظل قدرة الإمارات على حماية استقرارها وتنميتها مرتفعة. هنا تحديداً يكمن الفارق بين فلسفتين: أمن يرى الاستقرار مصدر قوة، وأمن يرى العمق الاستراتيجي أداة لحماية الداخل